دراسة جديدة تكشف العنف الذي تعرّضت له ماريا ريسا عبر الإنترنت

بواسطة David Maas
Mar 15, 2021 في سلامة الصحفي
ماريا ريسا

تحذير بشأن المحتوى: يتضمّن هذا المقال رسومًا بيانية توضح مدى خطورة العنف الذي تتعرّض له المرأة على الإنترنت، بما في ذلك إشارة إلى العنف الجنسي والألفاظ النابية. لقد تمّ تضمين هذا المحتوى لوجود مبررات أساسية، لا سيما من أجل التمكّن من تحليل أنواع وأساليب وأنماط الهجمات ضد ماريا ريسا.

 أوضح تحليل مئات آلاف المنشورات على وسائل التواصل الإجتماعي الموجهة إلى الصحفية الأميركية الفلبينية الأصل ماريا ريسا، خلال السنوات الخمس الماضية، خطورة العنف الذي يتعرّض له الصحفيون عبر الإنترنت، وخاصة النساء، علمًا أنّ هذه قضية لها تداعيات كبيرة، ولطالما حذّر منها الصحفيون والمدافعون عن حقوقهم. ويتسبّب هذا العنف الرقمي، لا سيما عندما تغذيه دولة ما بتعريض سلامة الصحفيين للخطر بشكل مباشر، ويهدد العمل الصحفي والإخباري كسلطة رابعة وكركيزة فعالة للديمقراطية.

وعملت في هذا البحث جولي بوسيتي، ديانا ماينارد وكالينا بونتشيفا، بالإستعانة بمعالجة اللغة الطبيعية، التي تضمّ علوم اللغة وعلوم الكمبيوتر والذكاء الاصطناعي، من أجل التمكّن من تحليل مجموعات كبيرة من البيانات المنشورة على فيسبوك وتويتر، من أجل تتبع العنف عبر الإنترنت الذي تعرّضت له ماريا ريسا، إضافةً إلى مضايقات الدولة. وتعاونت الباحثات مع موقع رابلر الإخباري الذي أسسته ريسا، من أجل التمكن من جمع البيانات وتحليلها، وهذه الدراسة هي جزء من مشروع بحثي موسّع يتم إعداده بالتعاون مع اليونسكو.

وتكشف خلاصات البحث عن طبيعة الهجمات التي واجهتها ريسا، وتبيّن أنّها جنسية، معادية للمرأة، وعنصرية، وتظهر كيف أنّ الإساءة المستمرة والموجهة عبر الإنترنت يمكن أن تخلق بيئة تمكن القوى المعادية للديمقراطية من قمع الصحفيين والحدّ من حريتهم في إعداد تقاريرهم.

ووصفت الباحثات الخلاصات التي توصلت إليها بأنها "عاصفة القرن الحادي والعشرين"، وأضفنَ أنّ "هناك الكثير من المعلومات المضللة والهجمات على الإنترنت، إذ يتعرض صحفيون يتمتعون بمصداقية للعنف الرقمي في وقت يسري الإفلات من العقاب وتغييب الحقائق وتأرجح الديمقراطيات".

وتواجه ريسا تسع قضايا قانونية منفصلة، يمكن أن تزّج بها في السجن بحال أدينت بالتهم الموجهة لها، وذلك بسبب التقارير التي أعدتها لمحاسبة قادة بلدها. وتبيّن أنّ الاعتداء القانوني هو نتيجة مباشرة لبيئة زاد فيها العنف على الإنترنت.

وعلّق رئيس الفريق القانوني الدولي المدافع عن ريسا، كاويلفيون غالاغر كيو سي بالإشارة إلى أنّ "السلطات تشوّه سمعتها، وساعد الرئيس الفلبيني رودريغو دوتيرتي في زيادة الهجمات الإلكترونية ضدها. وبالتالي، تهاجم السلطات ريسا ماريا بشكل مباشر وتنتج بيئة مواتية تسهل وتغذي الانتهاكات"، وأضاف أنّ "الإساءة عبر الإنترنت تدفع السلطات إلى المزيد من الإضطهاد بحق ريسا، فهناك علاقة تكافلية بين الإساءة التي تتعرض لها ريسا عبر الإنترنت والتقدم في المضايقات القانونية على أرض الواقع".

 وتشير الأدلّة إلى أن بعض الهجمات ضد ريسا هي من تدبير الدولة، ويغذيها خطاب الرئيس الفلبيني والمدونين والمؤثرين المؤيدين له.

إقرأوا أيضًا: هجمات على ماريا ريسا ورابلر.. نذير شؤم لحرية الصحافة عالميًا

ولاحظت الباحثات أنّ البيانات تلتقط نصف المحتوى فقط المكتوب باللغة الإنجليزية أو المختلط بالإنجليزية والتاغالوغية على حسابي ريسا على فيسبوك وتويتر، وذلك بسبب القيود التقنية في معالجة اللغة الطبيعية. ولم تتضمّن البيانات أيضًا ما تعرّضت له ريسا من هجمات عبر فيسبوك ماسنجر، والتي تعتبر "الأكثر وحشية".  ووفقًا للدراسة، فقد تمّ إخفاء الكثير من المضايقات من أجل تجنّب أدوات التتبع الآلي.

وللتوضيح، فقد عملت الباحثات على تحليل 400 ألف تغريدة وأكثر من 57 ألف منشور وتعليق موجه لريسا بين عامي 2016 و2021 على فيسبوك. وفيما يلي أبرز النتائج التي توصلت إليها الدراسة:

طبيعة الإعتداءات

تهدف 60% من الهجمات الرقمية والعنف عبر الإنترنت الذي تتعرّض له ريسا إلى الإضرار بمصداقيتها كصحفية، وتتضمّن الهجمات معلومات مضللة وإدعاءات كاذبة و"أخبارًا كاذبة".

يمكن تصنيف 40% من الهجمات بأنها "شخصية"، حيث بدا جليًا التمييز على أساس الجنس وكراهية النساء واستخدام اللغة الفاضحة، وتضمّنت اعتداءات على المظهر الجسدي لريسا والتلاعب بصور رأسها ووضع أعضاء ذكرية عليها. ويشمل هذا النوع من العنف التهديد بالاغتصاب والقتل والتعرّض للون بشرة ريسا وحياتها الجنسية.
 

Word cloud of online violence

 

طرق الإعتداء

  • لقد كانت الهجمات التي تعرّضت لها ريسا عبر الإنترنت منسّقة، وبعضها انطلق من حسابات وهمية وحسابات روبوت. وقد أزال "فيسبوك" شبكات مما يسمّى "السلوك المنسق غير الأصيل" ، وعلى الرغم من هذه الإستجابة، إلا أنّ ريسا لم تجد أنّها كانت كافية.
  •  مهاجمو ريسا يستخدمون فيسبوك بالدرجة الأولى لإطلاق حملات العنف ضدها على الإنترنت، ولهذا فهي تقول إنها تشعر "بأمان أكبر" على تويتر.
  •  يستخدم المهاجمون الوسوم والميمات والصور المفبركة والمتلاعب بها من أجل زيادة حجم مضايقاتهم ورفع التفاعل معها.
  • ينشر المهاجمون معلومات خاصة أو شخصية جدًا، وهي تشجّع الهجمات على أرض الواقع.

دوافع الهجمات

  • ارتفعت نسبة العنف الذي تعرّضت له ريسا عبر الإنترنت بعد ظهورها في وسائل إعلام مهمّة، وبعد حصولها على جوائز دولية ومثولها أمام المحكمة.
  • تزايدت الهجمات بعد نشر موقع رابلر التقارير الاستقصائية حول إدارة دوتيرتي، وبعد ردود الفعل على تقارير ريسا وما كشفته عن التضليل وعن دوتيرتي.
  •  يزداد العنف على صفحة ريسا المهنية على فيسبوك، إذ وجدت الباحثات أنّها تلقت 14 هجومًا مسيئًا مقابل كل تعليق إيجابي. واستهدف ربع الهجمات التي تجاوزت الـ9400 والتي تم تعقبها من العام 2015 وحتى 2018 على صفحتها، مصداقية ريسا المهنية، فيما كانت 14% منها شخصية بطبيعتها. وتمّ تحديد 15% من الهجمات بأنّها "تحت عنوان سياسي"، إثر اتهام ريسا والعمل الصحفي الذي تقدّمه بأنّه معارض لدوتيرتي. وتوقفت ريسا عن استخدام هذه الصفحة بسبب المضايقات.

Chart of online abuse on Facebook.

 

إذَا، أصبحت المعلومات المضللة تشكّل الخاصية الرئيسية للعنف الذي تعرضت له ريسا على الإنترنت. كما نسقت الجهات الحاقدة حملات أو حضّرت شبكات من أجل إبراز الأعمال الصحفية التي تقدّمها ريسا وكأنّها  تضليل إعلامي.

وتتماشى أساليب التضليل المستخدمة ضد ريسا ورابلر مع ما توصّلت إليه دراسة لليونسكو والمركز الدولي للصحفيين، عن أنّ 41% من 100 صحفية شملهن الاستطلاع قد تعرضن لعنف عبر الإنترنت ويعتقد أنّ ذلك مرتبط بحملات تضليل منظمة.

 وبرأي الباحثات، فإنّ "هذه الإساءات لا تشوه سمعة ريسا وتجعلها تواجه المضايقات القانونية فحسب، بل إنّها تزيد من تراجع ثقة الجمهور في الصحافة المستقلة، والحقائق بشكل عام، وتضاعف الارتباك وتقوض الركيزة الديمقراطية لحرية الصحافة في الفلبين."

  دور وسائل التواصل الإجتماعي

كان فيسبوك المنصة التي ظهر عليها العنف ضد ريسا بشكل أكثر وضوحًا، وقد استخدمها مؤيدو الرئيس الفليبيني من أجل التحريض على العنف عبر الإنترنت ضد ريسا وصحفيين آخرين.

 وكانت ريسا قد نبّهت من أنّ تقاعس فيسبوك عن مكافحة الكراهية والمعلومات المضللة قد مكّن من زيادة الحملة القمعية المعادية للديمقراطية والتي تهدد حياتها. وتشبّه ريسا انتشار المعلومات المضللة على فيسبوك بفيروس "كورونا"، "لأنّ فيروس الأكاذيب معدٍ بشكل كبير، وبمجرد إصابتك بالعدوى، تصبح منيعًا على الحقائق".

ورأت ريسا أنّ مساءلة منصات  الشركات التكنولوجية الكبرى هو أمر بالغ الأهمية. وإلا، ستبقى تتكرر المعلومات المضللة وتزداد عواقبها على الديمقراطية في الفلبين وحول العالم.

ونقلت الدراسة الجديدة عن ريسا قولها إنّ "الطريقة الوحيدة لتوقف انتشار المعلومات المضللة تكمن بمحاسبة المنصات التي تسمح بذلك"، وشبهت ما يحدث بانزلاق شخص على الرصيف الجليدي لمنزل في الولايات المتحدة، بهذه الحالة، يمكن مقاضاة مالك المنزل، وقالت: "الأمر مماثل تمامًا، لقد سمحوا بحصول الهجمات وغيروا حياتي بطرق مختلفة".

  التوصيات

يقدم التقرير النهائي الذي أعدّته الباحثات 10 توصيات لمواجهة العنف الذي تتعرّض له الصحفيات عبر الإنترنت، بالإستناد إلى الدروس المستقاة من تجربة ماريا ريسا.

وفي البداية، توصي الباحثات بمحاسبة الفاعلين والسياسيين الذين يحرّضون على العنف ضد الصحفيات، ومراجعة الأطر القانونية والتنظيمية التي تدعم حرية التعبير والمساواة وتكييفها مع العصر الرقمي.

وتؤيد الباحثات إنشاء مجالس خاصة بوسائل التواصل الاجتماعي، توفّر الطرق الملائمة لإنصاف ضحايا الانتهاكات عبر الإنترنت، وأوصت الباحثات شركات وسائل التواصل الاجتماعي بتطوير فرق متخصصة للرد بسرعة وفعالية على الهجمات التي يتعرّض لها الصحفيون عبر الإنترنت.

إضافةً إلى ما تقدّم، يجدر بالمؤسسات الإخبارية تأمين تدريب يراعي الفوارق بين الجنسين ويقدّم إرشادات للصحفيين، ويعرّفهم على طرق تأمين السلامة الرقمية والجسدية، إلى جانب توفير الدعم النفسي للصحفيات اللواتي يواجهن سوء المعاملة. ويجب أن تنتج غرف الأخبار أيضًا تقارير تؤكد مسؤولية منصات التواصل الاجتماعي عن أفعالها أو عن تقاعسها وسياساتها، بغض النظر عن أي روابط قد تكون لهذه المؤسسات مع الشركات.

يمكن الإطلاع على قائمة التوصيات كاملةً والمزيد من الموارد في التقرير عبر الضغط هنا.

إذا وجدت هذا المحتوى محزنًا أو أنّ مناقشة الخلاصات هو أمر صعب، فتأكد أنك لست وحيدًا. وتوجد بعض الموارد لمساعدتك. يمكنك الإطلاع على الموارد المتاحة من مركز دارت للصحافة والصدمات، ويرجى طلب الدعم النفسي إذا لزم الأمر.

ديفيد ماس هو مدير شبكة الصحفيين الدوليين

الصورة الرئيسية من فرانز لوبيز الذي يعمل مع رابلر