هجمات على ماريا ريسا ورابلر.. نذير شؤم لحرية الصحافة عالميًا

بواسطة David Maas
Dec 8, 2020 في سلامة الصحفي
ماريا ريسا

تواجه الصحفية الأميركية الفلبينية الأصل ماريا ريسا تهمة جنائية جديدة وهي التشهير السيبراني، وذلك بعدما نشرت صورة مقال كان نُشر قبل نحو 20 عامًا، وذلك عبر حسابها على "تويتر". وتأتي هذه التهمة الجديدة التي أدانتها منظمات تُعنى بحرية الصحافة والمجتمع المدني والصحافة حول العالم بعد أقل من ستة أشهر على إدانتها مع زميلها في موقع "رابلر" الصحفي رينالدو سانتوس، بتهمة التشهير السيبراني الإجرامي بسبب تقرير نشر عام 2012.  

وقبل هذه الإدانة الجديدة، كان قد صدر حكم بالسجن بحق ريسا يصل لمدة ست سنوات بتهمة التشهير أيضًا، وبحسب محامي الصحفية "فإنّ عقوبة التهمة الثانية قد تزيد عن العقوبة في القضية الأولى".

والجدير ذكره أنّ ريسا أوقفت مرتين خلال العامين الماضيين وأدينت مرة واحدة بتهمة جنائية ملفقة، كما أنّها دفعت أكثر من 80 ألف دولار ككفالة لإطلاق سراحها، ويمكن أن تقضي حياتها في السجن إذا أدينت بالقضايا الموجّهة ضدها في الفلبين.

إقرأوا أيضًا: ماريا ريسا من رابلر تحذر من تهديد الصحافة المستقلة في الفلبين

وفيما اعتبر مدافعون دوليون عن حقوق الإنسان أنّ معارك ريسا رمزية ومثالية، حذّرت الصحفية من أنّ ما تواجهه كصحفية وفي موقعها "رابلر" وفي بلدها يشكل دليلاً على الخطر الكبير الذي تواجهه الصحافة المستقلّة، وما يجري مع ريسا ليس سوى تجربة أولية لكيفية تفكيك دولة ما لهذا النوع من الصحافة. ونبّهت ريسا من "تصدير كيفية إعداد وتنفيذ حملة ضد صحفي شهير من بلدها إلى جميع أنحاء العالم"، مضيفةً في الفيلم الوثائقي Thousand Cuts الذي صدر مؤخرًا حول مكافحتها ومواجهتها للمعلومات المضللة والهجمات التي تشنها السلطات الفلبينية ضد الصحافة المستقلة أنّ من هو وراء الحملات ضدها "يدرس تكتيكات حول كيفية التلاعب بالولايات المتحدة في الفلبين، وبحال نجحت سيوزّعها على العالم". 

حرية الصحافة في الفلبين

لقد كانت الفلبين منارة الديمقراطية في آسيا، إلا أنّ سيطرة الإستبداد والقمع في هذا البلد يؤكد الحاجة للتعامل الجدي مع الهجوم على الصحافة المستقلة والذي يشكّل جرس إنذار لباقي العالم ولحرية الصحافة فيه.

وفي هذا السياق، علّقت راشيل شوا هاورد وهي باحثة في منظمة العفو الدولية بشؤون ماليزيا والفلبين وسنغافورة وبروناي على قضية ريسا في حديث لشبكة الصحفيين الدوليين، معتبرةً أنّ "استهداف الصحفية الفلبينية وموقع رابلر يعدّ أمرًا مقلقًا لحرية الصحافة في الفلبين والعالم أيضًا، إذ أنّ الحكومات الشعبوية قد تجد في هذه القضية فرصة لتلفيق تهم لها دوافع سياسية لملاحقة مؤسسات صحفية ووسائل الإعلام لمجرد ممارسة حرية التعبير بشكل سلميّ".

إشارةً إلى أنّ تسليح منصات التواصل الإجتماعي وتعزيزها ضد الصحفيين المستقلين يأتي في مقدّمة الطرق التي أصبحت معتمدة في الفلبين ودول أخرى لتقليص حرية الصحفيين، كذلك فقد عمل "جيش" من المتصيدين عبر الإنترنت والداعمين للرئيس الفلبيني رودريغو دوترتي باستخدام فايسبوك للتلاعب بالرأي العام إبّان السباق الرئاسي في الإنتخابات التي جرت عام 2016 والتي أتت به إلى الحكم. واستفاد دوترتي من المعلومات المضللة على وسائل التواصل الإجتماعي لمساعدته في التخلص من حرية ريسا ورابلر. 

واستخدم المهاجمون على الإنترنت التهديدات لترهيب ريسا وتشويه مصداقيتها، وفي إحدى المرّات تلقّت ريسا 90 رسالة كراهية في ساعة واحدة، كما عامل المهاجمون ريسا بطريقة غير إنسانية ودعوا إلى اعتقالها واغتصابها وقتلها. وأثّرت التهديدات والهجمات الإلكترونية بطريقة مخيفة على الصحفيين الآخرين ما زاد من الرقابة الذاتية للصحفيين الذين يعارضون المواقف المؤيدة لدوترتي. 

وبعدما استخدمت الحكومة الفلبينية وسائل التواصل الاجتماعي كسلاح، بدأت تقوم بالأمر نفسه مع القانون، ففرضت إدارة دوترتي التي رفعت 12 قضية ضد ريسا ورابلر منذ عام 2017، من بينها ثماني قضايا لا تزال مقامة حتى اليوم، إغلاق قناة ABS-CBN التي تعدّ الأكبر في الفلبين وأجبرت مالكي أكبر صحيفة يوميةThe Philippine Daily Inquirer على الإعلان عن بيع الصحيفة قبل التخلي عن البيع بعد حين.

تراجع  حرية الصحافة عالميًا

تبرز المعارك القانونية التي تخوضها الصحفية ماريا ريسا في مقدّمة القضايا المتعلقة بحرية الصحافة، لكنّ حالة ريسا ليست الوحيدة، فالصحافة المستقلّة تواجه قمعًا في عدد كبير من الدول حول العالم، فعلى سبيل المثال أوقف الصحفي الاستقصائي إيفان غولونوف في روسيا يونيو/حزيران 2019 بعد رمي تهم ملفقة بحقّه حول تهريب المخدرات، واعتُقل عشرات الصحفيين في يوليو/تموز بسبب احتجاجهم السلمي ضد قمع السلطات لبعض الصحفيين.

توازيًا، حُكم على صحفيين يعملان مع وكالة "رويترز" في ميانمار، وهما وا لون وكياو سوي أو، بالسجن لمدّة سبع سنوات عام 2018، بعد إجرائهما تحقيقًا حول مقتل 10 رجال وفتيان من مسلمي الروهينجا.

وأدى صعود القومية الهندوسية في الهند إلى تفاقم الهجمات ضد الصحفيين على منصات التواصل الاجتماعي، إضافةً إلى اعتقال بعض الصحفيين، مثل محرر موقع "وجه الأمة" الإخباري دافال باتيل في مايو/أيار، بعد اتهامه بالتحريض على الفتنة بسبب تقاريره عن تغيير محتمل في القيادة في ولاية غوجارات الذي تقع شمال غرب الهند. كذلك أوقف الصحفي غوتام نافلاخا بسبب تقاريره وعمله كناشط في مجال حقوق الإنسان. وتعرضت الصحافة المستقلة لهجوم شديد في إقليم كشمير، حيث أغلقت الحكومة الهندية الإنترنت لأشهر عدّة بعد إلغاء الحكم الذاتي الدستوري.

وتشهد فيتنام أحداثًا مشابهة بما خصّ حرية الصحافة والتضييق على الصحفيين المستقلين، حيث زاد الحزب الشيوعي الحاكم من اضطهاد الأصوات المستقلة خلال السنوات الأخيرة. وبحسب لجنة حماية الصحفيين، فقد جرى اعتقال الصحفيين نغوين تونغ ثوي وفام تشي ثانه في مايو/أيار بسبب "معارضتهما الدولة". وفي آذار/مارس، اختُطف المدوِّن في راديو آسيا الحرة ترونج ديوي نهات ثمّ حُكم عليه بالسجن لمدة عشر سنوات، وأعيد إلى فيتنام بعدما طلب اللجوء في تايلاند. 

وفي الولايات المتحدة، زادت أيضًا التهديدات بالقتل والعنف ضد المراسلين خلال إدارة ترامب، على الرغم من اعتبار أنّ هذه الدولة تحمل لواء حرية الصحافة، ومن الأمثلة على ما تعرّض له الصحفيون، فقد أقدم مسلح على قتل خمسة صحفيين يعملون في كابيتال جازيت في أنابوليس عام 2018، وخلال العام 2020، أخلت شبكة سي إن إن مكاتبها في نيويورك بعد تلقيها تهديدًا بوجود قنبلة. وخلال الصيف، وثقت منظمات حرية الصحافة حصول أكثر من 800 اعتداء على الصحفيين خلال احتجاجات ذوي البشرة الداكنة.

  إقرأوا أيضًا: المعارك القانونية المعقدة للصحفية الفلبينية الأميركية ماريا ريسا

ما سبق ذكره ليس سوى أمثلة صغيرة على انتهاكات حرية الصحافة خلال السنوات الأخيرة. ويحذر مؤشر حرية الصحافة من بيئة "متزايدة التعقيد والعداء" بحق الصحفيين في أميركا اللاتينية، ومن أنّ الشرق الأوسط هو موطن لأكبر عدد من وفيات الصحفيين. وفي أوروبا، يواجه الصحفيون مزيدًا من التهديدات مع إضعاف سيادة القانون وتزايد القتل والإفلات من العقاب والمشكلات المالية التي تواجه مجال صناعة الأخبار.

دور التكنولوجيا المتقدمة

يؤدّي تراجع مؤشّر حرية الصحافة إلى تراجع الديمقراطية. واستخدمت الحكومات الاستبدادية المعلومات المضللة على وسائل التواصل الاجتماعي لتحقيق أهداف معادية للديمقراطية. وتعتقد ريسا أنّ شركات التكنولوجيا، وفي مقدّمتها فايسبوك، تختبئ وراء الحجج المتعلقة بحرية التعبير، فتسمح بنشر معلومات مضللة وخطاب الكراهية إضافة إلى إثارة العنف على المنصات الرقمية.

وكما يجري في الفلبين، تعمل الجيوش الإلكترونية التي تديرها الدولة أيضًا في روسيا والهند وفيتنام، بحسب مؤشر حرية الصحافة لعام 2020 الصادر عن منظمة مراسلون بلا حدود.

وفي هذا السياق، رأت بعثة تقصي حقائق تابعة للأمم المتحدة في ميانمارأن فايسبوك لعب دورًا في الإبادة الجماعية للروهينجا. وخلص التقرير إلى انتشار خطاب الكراهية والدعاية والتحريض على العنف على منصات التواصل الاجتماعي، حيث أن فايسبوك اتخذ خطوات لتضييق الخناق على أصوات الأقلية المعارضة، إلا أنه ترك نشاط وسائل التواصل الاجتماعي الموالية على حاله.

وإضافةً إلى تأثير حملات التضليل على فايسبوك على نتائج انتخابات عام 2016 في الولايات المتحدة، واصل الرئيس دونالد ترامب نشر المعلومات المضللة والتحريض على العنف عبر الإنترنت، وترافق ذلك مع اعتداءات على الصحفيين والوكالات الإخبارية.

ودعت ريسا وآخرون الشركات التكنولوجية الكبرى إلى تحسين تنظيم انتشار المعلومات الخاطئة والضارة على المنصات، مشيرين إلى أنّ المعلومات المضللة وخطاب الكراهية ينتشرون على فايسبوك. واتهمت ريسا فايسبوك بأنه مسؤول بشكل جزئي عن الأزمة التي تمرّ بها، موضحةً أنّها قالت لفايسبوك قبل إدانتها: "إذا لم تغير ما تفعله، فقد أذهب إلى السجن".

وحاول فايسبوك وضع علامة إلى جانب المعلومات الخاطئة والمضللة خلال العام 2020، لا سيما بما يتعلّق بالأخبار المنتشرة حول الانتخابات الرئاسية الأميركية وجائحة كوفيد19، لكنّ هذه الخطوات كانت بدرجة أقل من تويتر وبفعالية متدنية. ويقول النقاد إنه حتى في مواجهة مقاطعة معلنين خلال الصيف، تبيّن أنّ فايسبوك متردّد في اتخاذ خطوات فعّالة لمعالجة قضايا المعلومات المضللة وخطاب الكراهية. وهذا أمر مهم خاصة في الفلبين، حيث يعد فايسبوك "الطريقة الوحيدة للوصول إلى الإنترنت بالنسبة لمعظم الفلبينيين"، وفقًا لما ذكره الصحفي دايفي ألبا في مقال نشره موقع بازفيد عام 2018. 

وفيما عانى رابلر ومواقع صحفية مستقلة أخرى في الفلبين من الأخبار المضللة وتقليص حرية الصحافة، رأت ريسا وآخرون أنّه في وقت حلّ فايسبوك مكان الصحفيين في توزيع الأخبار، فإنّ افتقاره إلى التنظيم يشكّل فرصة كبيرة لرؤساء وقادة مثل دوترتي للاستفادة منه، في نشر الأكاذيب والمعلومات المضللة التي تزيد من البرامج المناهضة للديمقراطية. وقالت ريسا في ويبينار مشترك بين المركز الدولي للصحفيين وفرونت لاين في يونيو/حزيران: "أصبح فايسبوك يعدّ أكبر موزع للأخبار في العالم إلى جانب منصات التواصل الاجتماعي، وتخلّت المنصات الرقمية عن مسؤوليتها عن حماية مخاوف الجمهور، وبحال لم نحسّن الوضع، فسيتعين على كل بلد أن يتعامل مع حقيقة انتشار الأكاذيب بشكل أسرع من الحقائق"، وأكدت ريسا أن الأكاذيب المرفقة بالغضب والكراهية والتي تتكرر ملايين المرات باتت حقيقة، مقترحةً التفكير في هذه المسألة مثل فيلم "Inception" حيث يذهب "مستخرجو الأسرار" إلى عالم الأحلام لتغيير العالم الحقيقي، وهذا ما يحدث على وسائل التواصل الاجتماعي. وختمت ريسا بالقول: "إذا تمكنت من إقناع الناس بأن الأكاذيب هي الحقائق، يمكنك السيطرة عليهم". 

 

ديفيد ماس هو مدير شبكة الصحفيين الدوليين.

الصورة الرئيسية من موقع "رابلر"