ثلاثة صحفيين يوثقون جرائم الحرب في ماريوبول

بواسطة Devin Windelspecht
Nov 18, 2022 في تغطية الأزمات
مستيسلاف تشيرنوف ويفجيني مالوليتكا وفاسيليسا ستيبانينكو

عندما بدأ الغزو الكامل لأوكرانيا على يد روسيا يلوح في الأفق في أواخر فبراير/شباط، استعد الصحفي في وكالة أسوشيتد برس مستيسلاف تشيرنوف والصحفيان المستقلان يفجيني مالوليتكا وفاسيليسا ستيبانينكو، للسفر إلى المكان الذي اعتقدوا أنه يمكن أن يكون ضمن الأهداف الرئيسية للقوات الروسية: مدينة ماريوبول الساحلية على البحر الأسود.

وصلوا إلى المدينة في الثالثة من فجر يوم 24 فبراير/شباط، ثم بعد ذلك بساعة بدأ الغزو. يقول مالوليتكا: "قررنا كتابة قصة قبل الغزو مباشرة عن كيفية الاستعداد للحرب، ثم بدأت".

بحلول أوائل مارس/آذار، حاصر الروس ماريوبول، وأعد تشيرنوف، ومالوليتكا، وستيبانينكو التقارير الصحفية لمدة عشرين يومًا وسط حصار المدينة الساحلية المهمة استراتيجيًا، موثقين أكثر الأحداث وحشية التي وقعت في المراحل الأولى للغزو إذا قصفت روسيا ماريوبول بشكل عشوائي وبلا هوادة.

وغطى الصحفيون الثلاثة معاناة الأوكرانيين اليومية من أجل البقاء إذ كانت المدينة تُخنق ببطء حتى الموت، والعمل المنقذ للحياة الذي قامت به طبيبة متطوعة بارزة ألقت روسيا القبض عليها فيما بعد. كما تمكنت صورة مالوليتكا الأكثر شهرة للأم الحامل الجريحة وهي يتم إجلاؤها على نقالة، من لفت انتباه العالم لقصف عيادة للولادة، وقد ماتت الأم وجنينها الذي لم يولد في وقت لاحق.

وبعد ثلاثة أسابيع من إعداد التقارير بلا توقف، ومع انهيار طرق الهروب الأخيرة من ماريوبول وسط تدهور الأوضاع، هرّب الجنود الأوكرانيون وإحدى الأسر المحلية تشيرنوف، ومالوليتكا، وستيبانينكو – وصورهم – خارج المدينة.

تذكر تشيرنوف أن أحد عناصر الشرطة الأوكرانية قال له: "إذا قبضوا عليكم سيصورونكم وسيجبرونكم على أن تقولوا إن كل ما صورتموه كذب، ستصبح كل جهودكم وما فعلتموه في ماريوبول في مهب الريح".

الصحفيون

بدأ تشيرنوف ومالوليتكا عملهما الصحفي في وقت مليء بالأمل بشأن مستقبل أوكرانيا، فقد أدت ثورة الميدان الأوروبي عامي 2013 و2014، إلى الإطاحة بالرئيس الموالي لروسيا فيكتور يانوكوفيتش، فضلًا عن حدوث تحول سياسي للبلاد نحو الاتحاد الأوروبي.

إلا أنه بعد ذلك بشهرين فقط، غزت روسيا شبه جزيرة القرم وضمتها إليها بشكل غير قانوني، وأشعلت صراعًا انفصاليًا في المقاطعتين الشرقيتين للبلاد دونيتسك ولوهانسك. وسرعان ما وجد تشيرنوف ومالوليتكا نفسيهما يعدان التقارير حول هذه الصراعات. يقول تشيرنوف: "وجدنا أنفسنا نحن الكثير من المصورين الصحفيين والمصورين الوثائقيين الأوكرانيين قد أصبحنا مصوري حروب بشكل تلقائي".

غطى تشيرنوف ومالوليتكا الحرب في دونيتسك ولوهانسك، ثم الأزمات العالمية الأخرى بداية من صراع ناغورنو-كاراباخ في جنوب القوقاز، مرورًا بمعركة الموصل، وحتى جائحة كوفيد-19 في أوكرانيا.

في أثناء ذلك، كانت ستيبانينكو الأصغر سنًا، تعمل صحفية مستقلة في بلدتها خاركيف في الأشهر التي سبقت غزو روسيا الكامل. كانت قد تخرجت مؤخرًا من كلية الصحافة، ومنذ الصغر عرفت أنها ترغب في أن تكون صحفية، إذ كانت تسرد القصص الإخبارية السياسية على أسرتها أثناء تناول وجبة العشاء عندما كانت لا تزال في الخامسة من العمر.

تشيرنوف مثل ستيبانينكو من خاركيف أيضًا، وهي ثاني أكبر مدينة في أوكرانيا وتقع على مقربة من الحدود الروسية. بينما مالوليتكا من بيرديانسك بجوار ماريوبول. وأصبحت المنطقتان اللتان تقعان في شرق أوكرانيا، ضمن أهداف الجيش الروسي عند غزوه للبلاد.

ukraine

آخر الصحفيين في ماريوبول

بينما هرب السكان والمراسلون الآخرون من ماريوبول المحاصرة، ظلّ تشيرنوف ومالوليتكا وستيبانينكو فيها. وبينما واجهوا القيود المفروضة على الاتصالات الهاتفية والإنترنت، وإمدادات الطعام الضئيلة، فضلًا عن قلة مياه الشرب والكهرباء، والتهديد المستمر بالقصف ونيران القناصة، كانوا بمثابة شهود على المعاناة الكبيرة للمدنيين الأوكرانيين، بما في ذلك مقتل الأطفال، نتيجة تكتيكات الحرب العشوائية الروسية.

تقول ستيبانينكو: "ما حدث في ماريوبول كان أسوأ ما يمكن أن أتخيله وأسوأ ما رأيته في حياتي، وكان إظهار ما كان يحدث للعالم أمرًا بالغ الأهمية"، مضيفة: "لقد كان مروعًا حقًا، ولكنني استوعبت أنني كنت في المكان المناسب في اللحظة المناسبة".

وأثناء وجودهم في ماريوبول، جازف الصحفيون الثلاثة بالتعرض للقصف الروسي أثناء إعدادهم للقصص الصحفية عبر هاتف يعمل من خلال الأقمار الصناعية في الأماكن القليلة التي وجدوا فيها شبكة للهاتف. وعُرضت قصصهم وصورهم في الصفحات الأولى ونشرات الأخبار حول العالم؛ لتدحض بقوة إنكار الكرملين للأعمال الوحشية التي قام بها الجيش الروسي ضد المدنيين. ووصلت أعمالهم الصحفية إلى الأمم المتحدة، إذ استشهدت سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة ليندا توماس غرينفيلد بأعمالهم في إشارة إلى "الإرهاب الذي تمارسه روسيا ضد الشعب الأوكراني في جميع أنحاء أوكرانيا".

يقول مالوليتكا إنّ هذا النوع من التقارير يتطلب أن يكون الصحفيون على أرض الواقع على الرغم من مخاطر السلامة، مشيرًا إلى أنّ "ما نراه يمكن أن يكون معاكسًا لما تخبرنا به الدعاية، ثم يمكنك المقارنة"، مضيفًا: "توضح كل هذه الشهادات وحشية روسيا، يمكنني أن أخبرك أن هذا هو ما تقوم به القوات الروسية".

وردًا على تقاريرهم، اتهمت روسيا الصحفيين الثلاثة بـ "الإرهاب المعلوماتي". وبحسب ما ورد، طارد الجنود الروس تشيرنوف ومالوليتكا وستيبانينكو أيضًا بنية إجبارهم على إنكار قصصهم، وتمكن الصحفيون الثلاثة من الهرب من المدينة فقط بعد محاصرتهم في إحدى المستشفيات بنيران القناصة والدبابات.

تُعلق ستيبانينكو على تقاريرهم بالقول: "أعرف أننا رأينا هذه الجرائم بأنفسنا، ثم قالت الدعاية الروسية شيئًا مختلفًا".

ukraine

بعد ماريوبول

بعد يوم من هروب الصحفيين من ماريوبول في منتصف مارس/آذار، نسفت روسيا مسرحًا كان يُستخدم كمأوى من القنابل، لتقتل بذلك أكثر من 600 مدني، من بينهم أطفال. وكان هناك حروف مكتوبة على الرصيف خارج المسرح لكلمة "أطفال"، يمكن رؤيتها من الجو بوضوح. 

سيستمر الحصار الوحشي للمدينة لشهرين، وينتهي بسقوط ماريوبول على يد روسيا في 20 مايو/أيار، بعد استسلام آخر المدافعين الأوكرانيين، الذين كانوا محصنين داخل مصنع آزوفستال للصلب لأسابيع.

ربما تلاشت الأحداث المرعبة لماريوبول من وعي الجماهير خارج أوكرانيا في أعقاب وجود المزيد من التقارير الحديثة من الخطوط الأمامية للحرب، ولكن تشيرنوف ومالوليتكا وستيبانينكو مستمرون في تغطيتهم من كييف عن المدينة المحتلة من روسيا الآن، إلى جانب العديد من المناطق الأوكرانية المحتلة أو المحررة حديثًا.

يقول تشيرنوف: "يكاد الجمهور أن ينسى ماريوبول الآن، ولكننا لن نفعل"، مضيفًا أنه والزملاء الفائزين بجائزة نايت للصحافة الدولية التي يقدّمها المركز الدولي للصحفيين، يتابعون الموقف مع بعض مصادرهم في المدينة حول شكل الحياة فيها اليوم. ويوضح تشيرنوف: "نعمل الآن على قصة أخرى من ماريوبول، وكيف ستواجه هذه المدينة الشتاء في ظل غياب المياه والكهرباء والغاز، فنحن نريد إعداد التقارير عن ماريوبول بقدر المستطاع".

وبينما يستمر الغزو الروسي للشهر التاسع، شدد تشيرنوف ومالوليتكا وستيبانينكو على الضرورة الملحة لإبقاء انتباه العالم نحو دولتهم، وخاصة بشأن الأعمال الوحشية التي ترتكبها روسيا ضد مدنيين كما هو الحال في ماريوبول.

ويقول تشيرنوف: "من المهم تذكر ذلك لأنه أشبه بمخطط لما سيحدث في أي مدينة ستستولى روسيا عليها، إن ماريوبول مثال ورمز في  الوقت نفسه"، مضيفًا: "من المهم تسليط الضوء على مشكلة أوكرانيا طوال الوقت؛ لأن هذه الحرب تحدث لبلادنا أوكرانيا ولأصدقائنا ولأقاربنا".


نظّم المركز الدولي للصحفيين حفل تكريم للصحفيين الشجعان حول العالم في 10 نوفمبر/تشرين الثاني.

جميع الصور مقدمة من مستيسلاف تشيرنوف ويفجيني مالوليتكا وفاسيليسا ستيبانينكو.