إعادة التفكير بمعنى الموضوعية في القرن الحادي والعشرين

بواسطة Andy Hirschfeld
Mar 11, 2022 في أساسيات الصحافة
عدسة مكبرة

نعيش اليوم وسط منظومة صحفية تُقدَّر فيها الشخصية أكثر من أي وقت مضى. كما أصبح يُتوقع منّا كإعلاميين محترفين أن نقدم ردود الأفعال والتعليقات فور نشر الخبر.

وفي مقال نشره مختبر نيمان حول التنبؤات لعام ٢٠٢٢، قالت جوليا مانسلو، الصحفية لدى "وول ستريت جورنال"، إنّ المستهلكين من جيل "زد" (جيل ما بعد الألفية) يقدّرون المصداقية، إذ تُعد من الأسباب وراء ثقة هؤلاء الشباب بالمؤثرين الاجتماعيين أكثر من ثقتهم بالصحفيين التقليديين. وبالنسبة للعديد من الناس، تعني المصداقية أنّ وجهات النظر المبنية على الآراء تأتي بدلًا من التغطية الصحفية المبنية على الحقائق.

وقد استغل اليمينيون تزايد التركيز على شخصية الصحفي بشكل أفضل من غيرهم. كما تمكنت الأصوات البارزة من بناء قاعدة متابعين هائلة، مقارنةً بأغلب الصحفيين العاديين، على الرغم من تلاعب بعضها بالحقائق. وفي الوقت نفسه، انتقد الكثيرون كُبرى المؤسسات الإعلامية لتبنيها نهج "صحافة الجانبين" وفشلها في مواجهة المعلومات المضللة التي ينشرها اليمينيون.

ولكن لا يعني ذلك بالضرورة أنّ على صحفيي اليوم التخلي عن الموضوعية. بل يعني أنّ عليهم إعادة التفكير في معناها، وربما زيادة التركيز على الصدق بدلًا من تعريفه الغامض.

وفي هذا الإطار، تحدثت إلى ثلاثة صحفيين عن آرائهم حول الموضوعية وكيفية تعاملهم مع هذا المشهد اليوم.

تقدير الحقائق

يجب توفير المنابر والمنصات لعرض وجهات النظر المبنية على الحقائق، ويمكننا النظر إلى تغير المناخ على سبيل المثال. فالأغلبية العظمى (٩٩%) من العلماء والخبراء يتفقون على أنّ التغير المناخي يحدث بالفعل، وبمساهمة البشر، وأنّه يشكل تهديدًا وجوديًا لكوكب الأرض. أمّا النسبة المتبقية (١%) ممن يعارضون ذلك، فحجتهم غير مبنية على أي حقائق. ومع ذلك، غالبًا ما يُمنح هؤلاء مساحة متساوية لعرض ادعاءاتهم التي لا أساس لها. لذا فلا توجد فائدة لتسهيل المناقشات، إذ يؤدي ذلك إلى تطبيع المعلومات المضللة.

من جانبه، قال علي فِلشي، المذيع لدى شبكة MSNBC حاليًا وCNN والجزيرة سابقًا، "إننا في وضع يسمح لنا بألّا ننظر إلى الجانبين، فلا يوجد جانبان فيما يتعلق بتغير المناخ أو الديمقراطية أو العنصرية".

واتفق مع فِلشي بيتر ستيرن، مدير تحرير نيويورك فوكَس ومؤسس موقع تتبع حرية الصحافة في الولايات المتحدة، قائلًا إنّ "مهمة الصحفي هي تقديم الحقائق، وليس أن يكون مقبولًا. وإذا قال أحد الجانبين ’لا تعجبنا هذه الحقائق ولن نصدقها‘، فقد يقول الجانب الآخر ’لا تعجبني هذه الحقائق، ولكنّ هذا هو الأمر الواقع‘".

وقد أجمع الصحفيون الذين تحدثت إليهم على أهمية تقديم الحقائق وإضافة الأصوات النادرة بدلًا من هؤلاء الذين ينشرون الادعاءات الكاذبة التي ليس لها أساس في الواقع. وفي هذا الصدد، أضاف ستيرن: "أعتقد أن مهمة الصحفي هي دعم المنكوبين، بما في ذلك التركيز على أصوات المستضعفين في المجتمع والفئات التي لا يتم احترام مخاوفها أو الاستماع إليها".

التعاطف وتوفير المنابر

يسهل منع الحوار وسط الاستقطاب الذي نشهده اليوم، لذا فالتحدي الذي يواجه الصحفيين هو كيفية التركيز على الأنظمة التي تدعم التطرف وتخدع الناس بنظريات المؤامرة العبثية وتنشر أيديولوجيات الكراهية بينهم. وتأتي هذه الإشكاليات من نقطة ضعف حقيقية، ولا يمكن إنصاف أحد من دون معالجة أسبابها الجذرية.

ولكن هناك فرق بين الاستماع إلى الناس الذين يدعمون الأيديولوجيات والأفعال الضارة، وبين توفير المنصات التي تتيح لهم نشر هذه الأفكار.

من جانبه، تساءل فِلشي عن "الفرق بين الاستماع إلى الناس بغرض التعاطف أو حتى الاعتراف بهم وبين توفير المنابر لهم". وقال إنّه يعتقد أنّ "هناك عدة فروق، فهناك من يجب أن تحذر من منحهم المنبر لأنّهم يحترفون التضليل"، مشيرًا إلى أشخاص مثل بيتر نافارو، العضو السابق بإدارة ترامب، والذي نشر معلومات مضللة عبر كُبرى الشبكات والمنشورات الإخبارية.

اللغة المباشرة

يمكن للصحافة المبنية على الحقائق أن تتعلم درسًا من كتابة الرأي، وهو استخدام لغة واضحة لا لبس فيها. فإذا كانت هناك سياسة عنصرية، عليك وصفها بأنّها عنصرية. وإذا كان هناك تصريح غير صادق، عليك وصفه بأنه كاذب. وذلك لأنّ اللغة غير المباشرة تقلل من الخطورة المحتملة للمشكلة المطروحة.

كما يجب أن تنحاز الصحافة دائمًا إلى الحقائق. فإذا اختار أحد أطراف المحادثة ألّا يتبنى هذا النهج، على الصحفيين ألّا يمنحوا هذه الأصوات منبرًا متساويًا مع الطرف الآخر.

وفي هذا الإطار، تحدثت إلى مولي يونج-فاست، كاتبة الرأي لدى صحيفة "ذا أتلانتك"، وهي معروفة بآرائها الصريحة والليبرالية. وعلى الرغم من انحيازها لحزب معين، إلا أنّ أسلوبها الحاد يمكن أن يتعلم منه جميع الصحفيين.

وقالت الكاتبة إنّه "لا يمكنك التخلي عن الانحياز فيما يتعلق بالديمقراطية، فهذا ما يوقع الكثير من الناس في المشاكل"، وتساءلت: "كيف تبدو الصحافة الحرة تحت الحكم الاستبدادي؟ لا أحد يعلم ذلك".

كما أقرّت بوجود خط رفيع بين المباشرة وبين الاستعلاء والانحياز، مضيفة أنّ الأمر "يجعل الناس يعتقدون أنّهم منحازون، وأعتقد أنّ هذا صحيح أحيانًا وغير صحيح في أغلب الأوقات".

وفي النهاية، تكمن مهمة الصحفي في محاسبة الأشخاص والمؤسسات من خلال الحقائق والصراحة.


الصورة الرئيسية من انسبلاش بواسطة ماركوس ونكلر.