الصحفي ومصادره "المطّلعة".. علاقة قد تخفي أفخاخًا!

نوشتهيامنة القابسي
Aug 1, 2019 در موضوعات متخصصة
امرأة تصوّر بالكاميرا

شهدت العاصمة تونس، الخمیس 27 حزيران/يونيو 2019، عملیتین إرهابیتین رافقهما تدهور حالة الرئیس الباجي قاید السبسي وترویج موقع التواصل الاجتماعي "فایسبوك" وبعض وسائل الإعلام العربیة شائعة وفاته، ما أثار هلعا كبیرا لدى عموم الشعب وأربك مؤسسات الدولة، باعتبار الوضع الأمني والسیاسي الدقیق في البلاد .

محلیًا، إكتفت وسائل الإعلام بالروایة الرسمیة لرئاسة الجمهوریة، التي أكدت في بیان لها على صفحة "فایسبوك" أن الرئیس تعرض لوعكة صحیة حادة ما استوجب نقله الى المستشفى، غیر أن الإعلام العربي وحسب مراسلیه من تونس أكّدوا خبر وفاته حسب "مصادر مطّلعة" ما جعل المتابعین یتهمون هذه المؤسسات بتعكیر صفو الأمن العام وإثارة البلبلة، بلغ حد مطالبة القضاء بتتبع كل من نشر خبر وفاة الرئیس من دون التثبت من صحّته.

تكشف هذه اللخبطة عدم امتلاك أبجدیات العمل الصحفي لصحافة الخبر في العصر الرقمي، وانتشار الأخبار بسرعة عالسوشیال میدیا وهشاشة التعامل الإعلامي والاتصالي لبعض الصحفیین في مثل هذه الحالات علاوة على انتشار الإشاعة في المؤسسات الإعلامیة.

نشر خبر وفاة الرئیس التونسي في مؤسسات اعلامیة عربیة حسب مصادر "خاصة" و"مطّلعة" لبعض المراسلین، طرح أكثر من سؤال حول علاقة الصحفي بمصادره وإمكانیة سقوطه في فخ مصادره، القادرة على مغالطته خاصة أنه مؤتمن على الحقیقة لا نصفها.

الحذر من المصادر

یعتبر المصدر أحد أهم العناصر المكوّنة للخبر الصحفي، والخبر من دون مصدر لا قیمة له، باعتباره الوسیلة التي یحصل من خلالها الصحفي على معلومات متعلقة بحدث ما. فقد یجد الصحفي نفسه في بعض الأحیان معرضا للتضلیل من قبل مصادر تزوّده بمعلومات خدمة لجهات معینة سیما خلال وضع دقیق.

وانطلاقا من تجربتها الخاصة، تحدّثت مراسلة قناة الغد من تونس نجلاء بوخریص لشبكة الصحفیین الدولیین، عن المصادر الرسمیة، باعتبارها أهم المصادر التي تعتمد علیها في عملها الصحفي من بیانات وتصریحات. وأكدت أنّها تعاملت بحذر شدید مع إشاعة وفاة الرئیس وتقیّدت بتصریحات مستشاریه وبیانات صفحة رئاسة الجمهوریة التونسیة. وأشارت نجلاء بوخریص الى أن نشر خبر وفاة غیر مؤكد یهمّ أعلى هرم في الدولة رئیس الجمهوریة والقائد الأعلى للقوات المسلحة، خطأ كبیر قد یثیر البلبلة أمنیا وقومیا لذلك من الضروري التحري والتثبت أخلاقیا ومهنیّا.

وتعدّ أخلاقیات مهنة الصحافة القاعدة الاساسیة الأولى في مجال العمل الصحفي لرفع مستوى المصداقیة والمهنیة للمؤسسات الإعلامیة ویبقى رهین التقیّد بحدودها والالتزام بمعاییرها، فللخبر ضوابط علمیة، هي أهمیة المصادر وتعددها ومصداقیتها، لكن الكثیر من المؤسسات الإعلامیة تقع في فخّ الأخبار الكاذبة لأنها اختارت التسرّع في نقل الخبر 'الحصري" قبل التأكد من دقّته ومصداقیّته. كما أنه من واجب الصحفي المهني والأخلاقي حیال بلده و المهنة أن یتحرى من دقّة المعلومة وتقدیم تفاصیل ومعطیات عنها بعیدا عن منطق الإثارة لأنه یتحمّل مسؤولیّة تأثیراته على الوضع في البلاد، وهو بحاجة لأكثر من مصدر حتى لو كانت المعلومة واحدة ومصدرها واحد للتحقق من المعلومة، باعتبارها المرحلة الأهم التي تحتاج لأكثر من مصدر .

"الصحفي الحقیقي قد یصل متأخرا ولكنه یصل واثقا" بهذه الكلمات علّق الصحفي والأستاذ بمعهد الصحافة وعلوم الإخبار، أمین بن مسعود، عبر صفحته على فايسبوك، مضیفا أن "عدم التفاعل الحیني مع الأحداث نقلا لا یعني تفصّیا من الواجب الأخلاقي بل یعني تملّكا للمسؤولیة المهنیة والمیثاقیّة حیال الوطن والمهنة". ودعا أمین بن مسعود، الى ضرورة النقد الذاتي ومراجعة كافة المصادر من خلال فسخ المصادر الواهیة والضعیفة والتثبّت قبل النشر سعیا الى تملّك مقولة "الخبر مقدّس".

منشورالهیكل النقابي على الخط لإنقاذ الموقف:

أمام تسارع الأحداث وسرعة نشر الأخبار وحرصا على النأي بالصحفي من المغالطات، نشرت لجنة أخلاقیات العمل الصحفي بنقابة الصحفیین التونسیین، توصیات بعد أن تمت معاینة أخطاء مهنیة متعلّقة بمبدأ التثبت من الخبر والامتناع عن نشر الإشاعات، حیث طالب الهیكل النقابي الصحفیین المحلیین ومراسلي المؤسسات الأجنبیة بالتثبت من مصادر المعلومات وتنویعها والابتعاد عن المصادر الضعیفة والإمتناع عن نشر الأخبار الزائفة والإشاعات.

توصيات

وقد أكّد رئیس لجنة أخلاقیات المهنة في النقابة الوطنیة للصحفیین التونسیین، كریم وناس في تصریح لشبكة الصحفیین الدولیین، أن "الصحفي الجیّد هو الذي یحسن التعامل مع مصادره حتى لا یتحول إلى مروّج للإشاعات والمغالطات، خصوصا أنّ بعض المصادر قد تزوّدنا بمعلومات خاطئة خدمة لجهات معیّنة مما ینجرّ عنه الوقوع في فخ التضلیل أو التحول الى بوق دعایة للمصدر".

وأضاف أنّ البعض من الصحفیین وقعوا في فخّ نشر خبر بحجم وفاة الرئیس وتدواله على مواقع التواصل الاجتماعي في ظرف أمني دقیق، خصوصا وأنه تزامن مع عملیتین إرهابیتین، تفادیا لهذه السقطات وعملا على تطویر التشریعات المتعلقة بالقطاع الإعلامي والمساهمة في تكوین الصحفیین الشبان، أشار كریم وناس، أن لجنة أخلاقیات المهنة تعمل على برمجة دورات تدریبیة حول أنواع المصادر الصحفیة وفن التعامل معها ومهارات التحقق من دقة المعلومات التي تنشر على مواقع التواصل الإجتماعي.

بدوره اعتبر الأستاذ أمین بن مسعود، أنّ من واجب "الهیاكل النقابیة والأكادیمیة والتعدیلیة الاهتمام أكثر على مستوى تملّك أبجدیات العمل الصحفي، والانكباب أكثر على التكوین في صحافة الخبر والنقل من شبكات التواصل الإجتماعي والإشاعات وأنصاف الحقائق".

إشادة بالإعلام المحلي:

تعامل الإعلام التونسي مع إشاعة وفاة الرئیس الباجي قاید السبسي بحذر كبیر ومهنیة، حیث تابع الصحافیّون الحدث بتدرج مع المكلفین بالإعلام برئاسة الحكومة ومستشاري الرئیس والطبیب المباشر ومصادر من المستشفى العسكري .

وتابع الإعلام التونسي أخبار صحة الرئیس، على مدار یوم الخمیس، مع الناطقة الرسمیة باسم رئاسة الجمهوریة سعیدة قراش في عدید المناسبات .

كما نفى المستشار الأول للرئیس الباجي قاید السبسي، نور الدین بن نتیشة، صحة الأنباء التي تداولتها وسائل إعلام عن وفاة الرئیس. ودعا في تدوینة له إلى عدم الانسیاق وراء الإشاعات .

رئیس الحكومة التونسیة یوسف الشاهد بدوره دعا الجمیع الى الترفّع عن بث الأخبار الزائفة، التي من شأنها بث البلبلة بین التونسیین في رسالة تهدئة وطمأنة للتونسیین، في یوم تشهد البلاد عملیتین إرهابیتین في العاصمة وعملیة في جبل عرباطة جنوب غرب تونس.

في هذا السیاق، أكد رئیس الهیئة المستقلة للإتصال السمعي البصري النوري اللجمي، في تصریح صحفي، أن نقل أخبار وفاة الشخصیات السیاسیة یجب أن یكون بحذر وبعد التثبت من صحة الأخبار بعیدا عن التسرع، محذرا من اعتماد شبكات التواصل الاجتماعي والمصادر غیر الرسمیة في هذه

الحالات.

وفي حدیثه عن أخلاقیات المهنة في هذه الحالات وغیرها، أشار النوري اللجمي الى أن أخلاقیات وقواعد مهنة الصحافة تفرض على الصحفي التثبت من صحة الأخبار قبل نشرها، وذلك من خلال تنویع المصادر خاصة في القضایا الساخنة ذات الأبعاد السیاسیة للإفلات من فخ تلاعب المصدر به.

یذكر أنّ عددا من السیاسیین والبرلمانیین وقعوا في فخ نشر خبر وفاة الرئیس الباجي قاید السبسي على صفحاتهم بموقع التواصل الإجتماعي فایسبوك وهو ما غذّى سقوط عدد من الصحفیین في فخ نشر الإشاعة دون التقیّد بالمصادر الرسمیة.

الصورة الرئيسية حاصلة على رخصة الاستخدام على بيكسهير.