كيف تجري مقابلة صحفية مع أهالي الضحايا بدون أخطاء مهنية؟

Feb 4, 2019 en موضوعات متخصصة
سعادة بمخيم الزعتري للاجئين السوريين

للمقابلات الصحفية مع أهالي الضحايا طابع خاص تفرضه طبيعة الحدث وحساسيته، وبناء على ذلك تبرز أهمية التزام الصحفي ببعض التكتيكات التي تضمن حديثا يتوافق مع جوهر العمل الصحفي القائم على الدقة والحيادية واحترام خصوصيات الآخرين.

ويقترن نجاح إجراء مقابلة صحفية _مكتوبة، إذاعية، تلفزيونية أو إلكترونية خالية من الأخطاء المهنية مع أهالي الضحايا بقدرة الصحفي أولا على الإلمام بظروف الحدث، ثم قياس مدى تقبل العائلة فكرة الحديث إلى وسائل الإعلام.

وللوقوف على ما يجب على الصحفيين فعله عند مقابلة أهالي الضحايا، التقت شبكة الصحفيين الدوليين بثلاثة صحفيين ممن لهم خبرة في تغطية حوادث الصدمات وتعرفت على تجاربهم.

وفي هذا السياق، يرى الصحفي السوري أيمن مكية أن إجراء المقابلات مع أهالي الضحايا يستدعي بداية تنفيذ زيارة استكشافية للعائلة والوقوف على حالها، لكي تكون العائلة متهيئة للحديث، ولكسب نوع من الثقة المتبادلة عند التصوير. وينصح مكية بافتتاح الحوار مع "المتحدث باسم عائلة الضحية" بقصة مشابهة اطَّلع عليها الصحفي مسبقا، والحذر من إظهار التعاطف المبالغ أو المفتعل عند الاستماع، "فغالبا لن يصدق المتحدثُ الصحفيَّ، لأنه لم يكن مكان العائلة أو الضحية".

ومن الأهمية أن يُفعِّل الصحفي جميع حواسه منذ اللحظات الأولى لوصوله لمكان المقابلة، فنغمة الصوت وحركة اليدين والعينين وتعابير الوجه كلها تفاصيل جوهرية ينبغي أن تتضمنها القصة، بالإضافة إلى الحرص على نقل كل معلومة تذكر، وألا يُجتزأ محتوى المقابلة بما يتناسب مع وجهة نظر الصحفي أو الجهة التي يعمل لصالحها.

ومن واقع التجربة، يتحدث مكية عن أحد المواقف الصعبة التي واجهته مع عائلة سورية لاجئة في تركيا، إذ وقعت إحدى فتيات العائلة ضحية الزواج بتركي، تبين بعدما أنجبت منه طفلا أنه متزوج بأخرى، وهو أمر تحظره تركيا بحكم القانون المدني، فغدا طفلها بلا نسب بعد الطلاق.

ويقول مكية: "رغم زيارتي للعائلة مسبقا وشرح فكرة موضوعي، فإن الأب في يوم التصوير عارض الأمر بحكم العادات والتقاليد والخوف من "الفضيحة"، ولكن البقاء على حالة الهدوء والحديث عن المآسي التي تتعرض لها اللاجئات السوريات، وأهمية تسليط الضوء عليها، وتأكيد عدم إظهار وجه "الفتاة"، دفع الأب للقبول والحديث عن الموضوع بإسهاب".

ويتفق الصحفي المصري سعادة عبد القادر مع زميله مكية في ضرورة البحث الجيد في حيثيات الحدث وخلفياته القانونية، والجلوس مع العائلة -إن أمكن- قبل إجراء اللقاء لتحفيزها على الحديث ولتجاوز فكرة أن "الصحفي جاء كمحقق، وسعيا وراء مصلحته من دون مراعاة مشاعر العائلة".

وفي حال رفضت عائلة الضحية الحديث أمام وسائل الإعلام، فعلى الصحفي حينها البحث عن وسيط يزرع الأمان والثقة بينه وبين العائلة ويمكن أيضا تغيير مكان التصوير إذا كان العمل في مكان الحادث سيوقع الضرر على الضحايا أو أسرهم.

ولأن "الضحية يعني قصة" فيشدد عبد القادر على ضرورة الإنصات الجيد للمتحدث حتى يحصل على مقابلة جيدة ممزوجة بالمشاعر والتفاصيل، فالمقاطعة المتكررة قد تُفقد الشخص تركيزه وتشتت أفكاره، وحين ينتهي من الحديث بإمكان الصحفي أن يوجه استفساراته التي يكون قد سجلها مسبقا في دفتر الملاحظات.
وفي هذا السياق، يطرح عبد القادر 4 لاءات يَنصح الصحفيين بالالتزام بها وهي: "لا ترهق أهالي الضحايا بكثرة الأسئلة، ولا تحاول التصوير بدون إذن، ولا تختر وقتًا غير مناسب لإجراء مقابلتك، ولا تترك أهالي الضحايا يتحدثون إليك قبل أن تشرح لهم فكرتك التي تعمل عليها من دون أي تزييف".

وتفرض مقابلة أهالي الضحايا تحديا على الصحفيين في الالتزام بأعلى درجات الحيادية، وعلى ذلك يعلق عبد القادر: "الصحفي مطالب بنقل الحقيقة فقط. يمكن للصحفي أن يجعل مشاعره في قلبه أو خارج التصوير أو القصة، كل ما على الصحفي نقل الحقائق كما هي والوقوف على مسافة واحدة بين كل الأطراف".

ويتحدث عبد القادر عند تجربته عندما واجه تعنتا صارما من عائلة قُتل أحد أبنائها، فيقول: "رفضت العائلة استكمال التصوير، فأوقفت المعدات وطلبت من المصور مغادرة المكان، ولكنني بقيتُ لمواساتهم قبل أن أنصرف لاحقا، وما هي إلا ساعات حتى اتصلت بي العائلة لاستكمال اللقاء معتذرة عما حدث كونه نتج عن حالة نفسية، وذلك حصل بعدما شعرت بأنني لم أكن موجودا للتصوير فقط".

ومن أبرز الأمور التي يجب الانتباه إليها عند محادثة أهالي الضحايا حسب الصحفية الفلسطينية نجلاء السكافي، هي "تعريف الصحفي بهويته والمؤسسة التي يعمل فيها، واختيار الأسئلة بعناية، وعدم الضغط عليهم للإجابة عن أسئلة لا يريدون الإجابة عنها، وعدم الاستهانة بالحادثة مهما كانت عادية من وجهة نظر الصحفي".

وتقول السكافي: "سؤال الأهالي عن شعورهم أمر لا قيمة صحفية له، لذا على الصحفي أن يتجنبه، وألا يقحم نفسه في تفاصيل مؤذية وأمور شخصية ودقيقة بحياة الضحايا تؤذي الأهالي، بل يجب أن يكون مرنا ويتقبل ردود أفعالهم".

ولطالما تعرضت السكافي للصد من ذوي ضحايا يرفضون الحديث لوسائل الإعلام لأحكام مسبقة أن الصحفيين "بلا قلوب أو ماديون"، وفي جميع الأحوال تنصح السكافي زملاءها بتقبل الأمر، ومحاولة احتواء الموقف، والعمل على إعطاء الطرف الآخر بصيصًا من الأمل.