"إنسان" منصة للسرد القصصي انطلقت بزمن كورونا.. هذه تجربتها

Sep 19, 2020 in موضوعات متخصصة
مسؤولة تحرير إنسان أثناء متابعة العمل بالمنصة

في خضم الحجر الصحي الذي فرضته جائحة كوفيد-19، وسعيا لإبراز الصبغة الإنسانية في القصص الصحفية، انطلقت منصة إنسان من تونس لتحكي قصص الناس وتحقّق في الانتهاكات ضدّهم وتنقل واقعهم وآمالهم عبر القصة الإنسانية والبورتريه والتحقيق الاستقصائي والريبورتاج وصحافة البيانات.

شبكة الصحفيين الدوليين حاورت الصحفية أمل المكي مسؤولة تحرير "إنسان" للتعرف أكثر على تجربة المنصة وما الذي تسعى لتقديمها على الساحة الإعلامية العربية.

  • لماذا إنسان؟

انطلقت "إنسان" في 12 أيار/مايو 2020، في قلب الحجر الصحي الشامل بتونس، كانت الفكرة تخامرني منذ سنوات، نظرا لأن السوق التونسية والعربية ما زالتا بحاجة إلى المزيد من المنصّات التي تعنى بالسرد القصصي.

ولأن ربّ ضارّة نافعة، أمكنني الحجر من التفرّغ لتنفيذ الفكرة فشاركتها مع عدد من الزميلات والزملاء ووجدتهم جميعا متحمّسين لها وساعدوني في بلورتها وتطويرها.

  • ما هي الظروف التي جعلت من إطلاق إنسان ضرورة؟

"إنسان" جاءت إيمانا منّا بأنّ الكون محكوم بالقصص، فكان شعارنا "في البدء كانت القصّة"، ولأنّ الإنسان كثيرا ما يضيع في زحمة الأخبار والمستجدّات ولأنّ هناك الكثير ممّا لم يقل بعد.

 ولكنّ العنصر المسرّع للإطلاق كان بلا شكّ فيروس كورونا، فقد أدركنا في بداية تفشّي الجائحة أنّ الاهتمام سينصبّ على أخبارها ومستجدّاتها وأرقامها وإحصاءاتها وستضيع بين السطور الكثير من القصص التي تستحقّ أن تروى، وهكذا وجدنا أنفسنا في سباق ماراثوني مع الزمن، نعمل ليلا ونهارا لإطلاق المنصّة في زمن كورونا.

  • هل واجهتم معيقات أثناء التحضير لانطلاق المنصة؟ ما هي وكيف تم التغلب عليها؟

المعيق الأساسي كان تقييد حركتنا سواء للالتقاء كفريق عمل أو للتحوّل إلى الميدان للاشتغال على القصص، كانت هناك صعوبات في إنجاز قصص بعينها خاصّة منها القصص المدفوعة بالبيانات، حيث أننا أنجزنا سلسلة بعنوان "القفّة زمن كورونا" وفيها نتناول في كلّ مرّة بالأرقام قصة سلّات مساعدات قدّمها طرف معيّن لإحدى الفئات المتضررة من الجائحة.

وعادة يكون الوصول إلى البيانات الرسمية هو التحدّي في تونس، ولكن ما فاجأنا أنّ الوصول إلى بيانات خاصة بجمعيات ومنظمات مجتمع مدني كان عسيرا أيضا، ورغم ذلك كنا نتفهّم أن هذا الظرف فاجأ الجميع ولم تكن كثير من الجمعيات والمبادرات مستعدّة له بالشكل الكافي.

  • هل إنسان لتونس فقط؟

بدأت "إنسان" بفريق تونسي خالص، إلا أنها ومنذ البداية كانت تضع المستخدم العربي نصب أعينها. ونحن حاليا في صدد التوسّع، حيث بدأنا بالفعل الاشتغال على قصص عابرة للحدود ستكون هي التجربة الأولى من نوعها في تونس.

  • ما هي المضامين والمعالجات الصحفية التي تهتم بها إنسان؟

نهتمّ في "إنسان" بالقصص الإنسانية بشكل خاصّ ونقوم بمقاربة المواضيع التي نشتغل عليها مقاربة اجتماعية وحقوقية.

ففي البداية ركّزنا كثيرًا على الفئات الهشّة والأكثر هشاشة المتضررة من الجائحة بشكل مباشر أو غير مباشر والتي لم تجد لها صوتًا في الإعلام زمن كورونا.

فأنجزنا قصصا عن مصابين بالتوحّد وأطفال القمر ولاجئين وأشخاص معوزين، وما زلنا نواصل إلى الآن في هذا النهج، مسلّطين الضوء كل مرّة على شخص أو فئة لها قصص تستحق أن تروى، على غرار مربّي الماشية والمتبرّعين بالأضاحي في العيد (..) القضايا الحقوقية هي المحرّك الأساسي لعملنا، ولكننا نفضّل أن "نحكي الحقوق" بدل أن نخبر عنها.

  • حدثينا عن أشكال المحتوى المستخدمة في إنسان؟

نحاول في "إنسان" تطويع معظم الأشكال الصحفية لخدمة السرد القصصي، ومن أجل هذا قمنا بعمل فصل جزئي بين محتوى المنصّة ومحتوى وسائل التواصل الاجتماعي وهي فايسبوك فقط في الوقت الحالي.

ففي المنصة ننتج القصص بجميع أنواعها وخاصة منها المدفوعة بالبيانات، والتحقيقات والريبورتاجات المصوّرة ونعتمد تقنيات التايم لاين والكولاج في إنتاج الموادّ، ولدينا شريط قصير جاهز سينشر قريبا على المنصة وحسابها على يوتيوب.

أمّا على فايسبوك فعدا عن الترويج لموادّ المنصّة، قمنا ببعث فقرات خاصّة منتظمة تعتمد أحدها على الفيديو وأسميناها قصّة إنسان وفيها نحكي القصص في حدود دقيقتين ونصف، والأخرى تعتمد على النصّ والصورة وأسميناها غربة إنسان وفيها نحكي قصص التونسيين المغتربين حول الأرض.

وكلا الفقرتين تلاقيان نجاحا باهرا، هذا بالإضافة إلى استخدامنا تقنية الستوري على فايسبوك والنشر المكثّف للصور والإنفوجغرافيك في علاقة بالمواضيع التي نشتغل عليها.

 ونحن نستعدّ قريبا لإطلاق أوّل بودكاست لنا، للانطلاق على منصّة إنستغرام والتي ستكون نقلة نوعية في عمل "إنسان".

  • بماذا يتميز محتوى إنسان عن بقية المنصات التي ترفع شعار "الإنسان أولا"

"الإنسان أوّلا" ليس شعارا بالنسبة لنا بل هو منهجية عمل، فنحن لا نكتب عن الناس فحسب، بل نجعلهم يشاركون في كتابة قصصهم وفي صنعها، لدينا قصص كتبها أفراد من الجمهور وليس صحفيون، وقمنا نحن بالتحقق منها وتدقيقها وتحريرها ونشرها ولاقت نجاحا باهرا، أيضا الإنسان أوّلا لأننا مستقلّون عن رأس المال وعن السلطة ولا ندين بالولاء لأحد ولا لأي جهة غير لجمهورنا وللإنسان الذي جعل هذه المنصّة ممكنة.

  • ما هي الأهداف المرحلية والمستقبلية التي تسعى لها إنسان؟

هدفنا الحالي هو مواصلة الإنتاج بنسق يضمن حضورنا الدائم وتعزيز وجودنا على وسائل التواصل الاجتماعي بما يضمن استقطاب أكثر فئات وشرائح عمرية للمنصة، أما في المستقبل القريب فنسعى إلى توفير موارد مالية وبشرية أكثر تسمح بمزيد الإنتاج والتوسّع.

  • ما هي النصائح والإرشادات التي توجيهها للصحفيين الراغبين بمعالجة القضايا الإنسانية؟

-بداية على الصحفي أن يعزّز معارفه الحقوقية وأن يؤمن هو شخصيا بحقوق الإنسان في كونيَتها وشموليتها وعدم قابليتها للتجزئة، فللأسف، كثيرا ما نجد موادّ صحفية تقول إنها تعالج قضايا حقوقية ولكنها في الحقيقة معادية للآخر وللمختلف ومصادرة لحقوق الإنسان، وإذا غابت المقاربة الحقوقية ضاعت المعالجة الإنسانية. 

- من المهمّ أيضا بالنسبة للصحفي أن يطّلع على أكثر ما يمكن ممّا ينتج حول العالم بخصوص حقوق الإنسان، مثلا عن أوضاع حقوق الإنسان حاليا في ظلّ الجائحة والانتهاكات، هذا الأمر قد يفتح عينيه على وضع الحقوق في بلده ويعطيه أفكارا وزوايا كانت غائبة عنه.          

 -أمّا بالنسبة للقصص، فالنصيحة الأهمّ برأيي هي ألاّ نستصغر أيّ قصّة، كلّ إنسان لديه قصة جديرة بأن تروى، وخطؤنا أننا في خضمّ سعينا إلى "القصص الكبيرة" نغفل ملايين القصص الأخرى، علينا فقط أن نصيخ السمع وأن ننظر بعين القنّاص لكلّ ما حولنا.        

-التنويع في أشكال السرد القصصي أيضا مهمّ، فالبورتريه مثلا يبقى من أجمل الأشكال التي تحكي الإنسان، وفيه يمكن أن يستفيض الصحفي في السرد والوصف، ولكنّ التايم لاين أيضا، بما فيه من تواريخ ومعلومات مقتضبة قد يحكي القصة بشكل مختلف وجميل.          

-إشراك الجمهور في إنتاج القصة سيعطيها بعدا إنسانيا أكبر وأكثر تفاعلية.         

 -آخر نصيحة، أعمل بها شخصيا دائما، هي التعلّم المستمرّ. فالصحفي لا يجب أن يقول مطلقا إنه قد بلغ من التجربة ما يغنيه عن التعلّم. علينا ألاّ ننقطع عن الاطلاع المستمرّ على آخر التطورات في السرد القصصي الإنساني وتبادل المعارف والخبرات.

الصورة الرئيسية لمسؤولة تحرير إنسان أثناء متابعة العمل بالمنصة.