تهيمن الآن شركات الإنترنت مثل جوجل وفيس بوك على توزيع الأخبار

بواسطةJames Breiner
Jan 9, 2015 في المبادرات الاعلامية

أطلق ناقد إعلامي مشهور جرس الإنذار في عام 1960 حول سيطرة الشركات الكبرى والمجموعات على الجرائد والتخلي عن مئات الصحفيين. كان قلقاً من أن سلطة الصحافة أصبحت محصورة في أيدي قليلة جداً.

نشر في عموده في جريدة النيويوركر، ودار وايوارد للنشر، وأي.جاي. ليبلنغ واحدة من الجمل التي لا يمكن نسيانها في الحواشي الثانوية:

حرية الصحافة مضمونة فقط لأولئك الذين يملكونها. (نيويوركر، 14 أيار/مايو 1960 ص 109، باي وول)

الأمر الذي لا يزال صحيحاً وسارياً حتى اليوم، هو أن أصحاب المؤسسات الصحفية يركزون على المحافظة على هامش ربحهم ويقيلون الصحفيين لتحقيق ذلك. خسرت صناعة الصحف والمجلات 54,000 صحفي منذ العام 2003.

أمّا الآن، لم يعد صحيحاً أن الصحف تحتكر صناعة وتوزيع الأخبار. إذ أن الإنترنت أعطت جميع من يملك جهاز كمبيوتر واشتراكاً للإنترنت مطابعهم الخاصة. لا داعي لأن تكون ذا شأن لتنشر آرائك. لكن السؤال الكبير هو: هل يمكنك جعل أي شخص يسمعك؟

السيطرة على الرأي العام

تعرضت شياطين ليبلنغ للهزيمة إذ لم يعودوا يهيمنون على الخطاب العام كما في السابق، ما لا يعرفه الكثيرون هو أنها حلّت مكانها مجموعة جديدة من المحتكرين. أصبح الخطاب العام متركز بين يدي مجموعة لا بل حفنة مختلفة من الهيئات والمجموعات المؤسسية وهم ليسوا شركات صحفية أو إعلامية.

فاليوم هناك جوجل، وفيس بوك، وياهو، وتويتر ومنصات أخرى تحدد خوارزمياتها أنظمة أو شريط التغذية الإخبارية التي يعتمد عليها مستخدموهم لمعرفة أخبار العالم. بالنسبة للبعض، تعتبر هذه المنابر المصدر الرئيسي للأخبار.

لم يتنبأ ليبلنغ بهذه المنابر الإلكترونية، لكنه قلق من كيفية تلاعب الشركات الكبرى بالرأي العام. في الخمسينيات، قاموا استغلاليين من شركات كبرى بشراء العديد من الصحف وأغلقوها بهدف جعل هذه التجارة المربحة جداً أكثر ربحاً. أُقيل المئات من الصحفيين في تلك الفترة وأُسكتت الصحف المعارضة.

(في ملاحظة شخصية، خسر أخي وظيفته كموزع للجرائد عندما أغلقت كليفلاند نيوز أبوابها في عام 1959. كنت محرّراً في كولومبوس دسباتش في 1986، عندما أصبحت الصحيفة اليومية الوحيدة في البلدة بعد إغلاق سيتيزن جورنال نتيجة الدمج في عام 1959. أصبحت كليفلاند بلاين ديلر الصحيفة اليومية الوحيدة في بلدتي مع إغلاق صحيفة برس في 1982، وقد سلط جاي روزن مؤخراً الضوء على العواقب السلبية لذلك على حرية الصحافة.)

خيارات ضئيلة أمام الصحفيين

إثر الدمج الحاصل، رأى ليبلنغ أنه هناك اتجاه لاتباع نهج التملّك الذي رافقته وجهة نظر محافظة وموحدة:

ما تجده في بلدة تحوي على صحيفة منفردة تمتلكها مؤسسة عامة هو أنها معفاة دستورياً من تطبيق القانون العام، ما قد يشكل خرقاً لحرية الصحافة. أما بالنسبة لحرية الصحفي الفردية في مثل هذه البلدة فهي تتماشى تماماً مع ما سيسمح به الناشر للصحفي، فلا يمكن لهذا الأخير أن يتجه لأي مؤسسة معارضة لأنها غير موجودة أساساً.

استجاب ليبلنغ بمرارة للخطابات المبهجة التي كان يسمعها خلال ذلك الشهر في الاجتماع السنوي لجمعية ناشري الصحف الأميركيين. بحيث كان سادة الصحافة يتنبأون بأرباح أكبر وفعالية أعلى بالإضافة لصحافة أفضل كنتيجة لكل تلك الاندماجات.

لم يحصل ليبلنغ على شيء منها. فوجهة نظره المعارِضة ظهرت تحت عنوان "هل تنتمي للصحافة؟" وتصدّر العنوان نفسه الكتاب الذي كان يهاجمه بشدة. تم تأليف الكتاب من قبل محرّرين وناشرين صحفيين ممن كانوا يحثون الشباب للسعي وراء مسيرة مهنية في المجال "الرومانسي/ الخيالي" للصحافة.

أفرد بسخرية هذا الاقتباس من أحد الناشرين: "دخل الصحف عادةً ما يكون متوازناً، وخطر فقدان أحدهم لوظيفته نتيجة هبوط مفاجئ وعلى الأغلب مؤقت يكون بعيداً."  وعبّر ليبلنغ بسخط بقوله: "بالطبع، ماذا تتوقعون من مالك صحيفة ليس لها منافس؟" (مشيراً إلى صحيفة لونج فيو واش اليومية والتي بيعت في النهاية إلى إحدى المجموعات وأصبحت الآن ملك "مؤسسة لي" التي تملك خمسين صحيفة.)

كتب ليبلنغ مخاطباً الميل إلى الاندماج:

إن كان الصحفي يعمل في بلدة حيث يوجد مالكان اثنان فعلى الأرجح أنه سيفقد وظيفته في أي لحظة، ولكن إن كان هناك ثلاثة فيكون لديه فرصتان من أصل ثلاثة بأن ينتقل إلى مهنة العلاقات العامة قبل أن ينهي أبناؤه المدرسة.

بالرغم من تنبؤات ليبلنغ الكئيبة، فقد تزايدت الفرص الوظيفية للصحفيين بما يتماشى مع أرباح الصناعة على مدى 47 عاماً تلت تلك الفترة إلى حين ضربتها الأزمة المالية العالمية بالإضافة إلى تأثير الإنترنت في ذات الوقت.

جوجل وفيس بوك يسودان

اليوم، يمكن لأي كان أن يكتب وينشر أي شيء يريده عبر الإنترنت، لكن انتشارهذا المحتوى ومدى ملاحظته يعتمدان على رؤية الآخرين له، بالتالي توزيعه/ إعادة نشره من خلال الصفحات على الشبكة العنكبوتية والمدونات وحسابات وسائل التواصل الاجتماعية.

وسائل الإعلام الاجتماعية مثل فيسبوك وتويتر، ومحركات البحث مثل جوجل وياهو هامة جداً في عملية خلق الجمهور المتابع للمؤسسة الإخبارية. يجلب فيس بوك 20% من حركة المرور (الترافيك) للمواقع الإخبارية، ويقوم محررو الأخبار باستشارة ذوي الـ26 عاماً ممن يصممون خوارزميات الأخبار لمعرفة كيفية تحقيق تلك الزيادة. يستجلب جوجل حوالي ثلث حركة المرور (الترافيك) للمواقع الإخبارية.

لا شيء يثبت أهمية هذه الأنظمة بالنسبة لمستقبل الأخبار أكثر من الصناعة التي بدأت جراء تفعيل محركات البحث والتسويق عبر وسائل الإعلام الاجتماعية.

اليد الخفية

جميع الأنظمة التي تقدّر ما هو مناسب للمستخدم مبنية على الحكم البشري غير الموضوعي وليس على أهمية الأخبار أو اهتمامات العامة، مثلما أشار جاي روزن مؤخراً. هؤلاء الأشخاص يمكنهم إرادياً أو لا إرداياً التلاعب بالرأي العام.

كيف ستؤثر الأهداف المالية لهذه الشركات على كيفية تحريكهم لمنظوماتهم الخوارزمية؟ بحسب eMarketer فإن لجوجل أكثر من 30% من الـ$140 مليار من الإعلانات الرقمية. جوجل وفيس بوك معاً يسيطران على ما يزيد عن 70% من ريع الإعلانات على الأجهزة المحمولة. يتحرك تويتر باتجاه التغذيات ذات المصفاة  لتعزيز النتائج التجارية أو المالية بحسب Gigaom لماثيو إنغرام.

بالطبع، إن الإنترنت كبيرة كفاية بحيث لا يضطر أحد لاستخدام فيسبوك أو جوجل للحصول على أخبارهم. إذ يمكنهم الحصول عليها من أي مكان، لذا ما الداعي لقلقهم؟ هذا النقاش مشابه لذلك الذي كان أيام ليبلنغ وهو لم يقبل به.

نظرياً، كتب ليبلنغ أنه يمكنكم دائماً شراء صحيفة من خارج البلدة إن لم يعجبكم صدى الصحيفة المحلية في بلدتكم. عملياً وبالرغم من عدم سهولته قال: " في أي مدينة أميركية أعرفها، إن العثور على صحيفة تنشر في مكان آخر يعني أن تذهب إلى منصة بيع الصحف التي تقع خارج المدينة"، والتي ناقش أن إيجادها كان صعباً ناهيك عن كون الصحف باهظة الثمن رغم تاريخها القديم. أما في البلدات الصغيرة فلا يوجد شيء اسمه منصة بيع صحف من خارج البلدة.

الرقابة الشخصية والقسرية

في الحقيقة، إن معظم مستخدمي الإنترنت والذين يوصفون من قبل البعض بأنهم كسولون وأنانيون ومتهورون – لا يزيدون على ما توصي به أغلب الروابط السائدة. لذا فإن ما يوصي به فيس بوك وجوجل سيكون له تأثير أكبر على استهلاك الأخبار.

ولمن يستجيب جوجل وفيس بوك؟ بما أنهما شركتا تداول عام، فإن مسؤوليتهما الأولى هي تلك التي تخص المساهمين فيهما. ومثلما هو الحال للشركات الصحفية المساهمة فإن الخدمة العامة وحرية التعبير ليسا بالضرورة من ضمن الأولويات.

على الشخص أن يعاين إدخالات ويكيبيديا عن ـ"الرقابة بواسطة جوجل" ليجد عشرات المقالات عن كيف أن الشركة راقبت نتائجها إما طوعياً أو مجبرة. بكلمات أخرى، يمكن للحكومات القوية أن تنتقي المعلومات التي تصلك.

على سبيل المثال، في العام 2008 خضعت جوجل لمطالب وزارة الدفاع (البينتاغون) بإزالة أية صور للقواعد العسكرية الأميركية من خرائط الشوارع في سبيل الأمن القومي.

ذريعة الأمن القومي تستخدم تكراراً لعدم نشر المعلومات وأحياناً تذعن المنظمات الإخبارية. لذا إن أراد أي كاشف للفساد (whistle-blower) أن ينشر قصة ما، فيمكنه أن يعرضها على عدد من المنظمات الإخبارية لعل إحداها تقوم بنشرها.

لكن إن خضعت جوجل وفيس بوك لطلبات الرقابة، فمن الصعب أن ترقى هذه القصص للمستوى الفيروسي (viral) من اهتمام العامة، بالتالي لا تلقَ انتشاراً واسعاً. المؤسسات مجهزة لجعل قصة ما تتحول إلى "فيروسية" عبر "تلقيح" الأخبار للوصول إلى الهدف. خالي من الانتشار الفيروسي يمكن أن يعني خالي من الأخبار. ما كان ليبلنغ ليوافق على ذلك.

هذه القصة نشرت أولاً في مدونة جيمس برينر التي تحمل عنوان أخبار المبادرين وأعيد نشرها من خلال شبكة الصحفيين الدوليين IJNet بعد أخذ تصريح بذلك.

تحمل الصورة الرئيسية رخصة المشاع الإبداعي على فليكر، بواسطة جوش هنتر.