10 طرق لإثبات "فرضية" التحقيق الاستقصائي

بواسطة أحمد العطار
Jul 12, 2021 في الصحافة الاستقصائية
صورة

تشترك الصحافة الاستقصائية مع البحث العلمي في وضع الفرضيات، واختبارها، والعمل على إثباتها، فأفضل التحقيقات الاستقصائية هي التي استندت قبل تنفيذها إلى "فرضية".

وتُعرف الفرضية في الصحافة الاستقصائية بأنها مقترح يشخص مشكلة أو قضية مطروحة للتقصي والبحث والتوثيق؛ بهدف الوصول إلى حقيقة ما جرى، عبر خلق علاقات بين الحقائق والافتراضات.

في دليل "الصحافة الاستقصائية" الصادر عن معهد الجزيرة للإعلام، يشرح الخبراء للمهتمين بـصحافة الاستقصاء في العصر الرقمي، أساليب صياغة الفرضية وإثباتها بـ10 طرق مختلفة. 

أولا: وضع الفرضية

 الفرضية هي دستور التحقيق، لذا لا يصح أن تكتب من الفراغ بل يجب أن تبنى على أساس علمي ســليم مــن حقائــق ومعلومات تستقى بطريقة صحيحة، وتعتمد على بحث أولي، يؤكد وجــود قصة صحفية تستحق العمل بعيدا عن التكهن. 

وتتكون الفرضية من: فعل "حدث" + فاعل "متسبب" + مفعول به "ضحية" + حجم المشكلة وتأثيرها.

وتصاغ الفرضية كالآتي:

  • بشــكل موجز ومترابط في جملــة أو جملتين، وتكون واضحة ومحددة.
  • قائمة على حقائق مؤكدة وموثقة، ومعلومات غير مؤكدة "افتراضات".
  •  تخلق علاقات بيــن الحقائق، حتى لو لــم تكن مؤكدة بشــكل تام، وتجيب بشكل مؤقت على الروابط بين الفعل، والفاعل، والمفعول بــه، وحجم المشكلة وتأثيرها.
  • قابلة للاختبار والقياس والنفي والإثبات.
  • يمكن أن تشمل فاعلًا أو أكثــر، وفعلًا رئيسًا، تتبعه أفعال أخرى متصلة ومترابطة، وكذلك المفعول به.
  • تعالج مشكلة واحدة.
  • يمكن تعديلها، إذا ظهرت أدلة وحقائق جديــدة تستلزم التعديل.

مثال للفرضية: "إصابات ووفيات بحوادث الطرق السريعة في دولة "س"، بسبب عيوب هندسية وإنشائية، نتيجة إخلال المقاولين بالمواصفات الفنية والقياسية، وتواطؤ اللجان الحكومية المشرفة مع المقاولين".

إقرأوا أيضًا: 100 قصّة.. تفاصيل مشروع إعداد تقارير عن الإستجابة لكوفيد 19

ثانيا: خطة الاكتشاف

بعد وضع الفرضية، يحدد الصحفي الحقائق التي بحوزته، والحقائق التي يرغب في الوصول إليها، ثم يقسم فرضيته لمجموعة محاور، وكل محور يتفرع إلى أســئلة، وكل ســؤال يجيب عنه مصــدر أو مصادر، سواء أكانت بشرية أم مادية. 

ويركز الصحفي في خطة الاستكشاف على إثبات حدوث الانتهاك، من ناحية منطقية وقانونية وأخلاقية، ومكان هذا الانتهاك، ومن الذي قام به، وماذا كانت دوافعه. 

ويجيب عن أسئلة الخطة الاستكشافية، التي تتمثل فيما يلي: 

  • ما الذي يحدث؟ لماذا يجب أن يهتم الجمهور بهذا التحقيق؟ من هو الجمهور المستهدف؟
  • ما الانتهاك أو الخطأ؟ وكيف حدث ولماذا؟ هل هو قانوني أم أخلاقي؟ هل هو منطقي؟ 
  • من الفاعل الرئيس؟ من الفاعلون المشاركون؟ كيف ولماذا فعلوا ذلك؟ من المستفيد؟ ما تبعات هذا الخطأ وآثاره؟
  • من المتضرر المباشر وغير المباشر؟ من يستفيد من نشر التحقيق؟ من يتضرر من نشره أيضا؟ هل يثري نشره النقاش العام؟

ثالثا: المصادر

بعد وضع الأسئلة، نضع أسماء المصادر التي يفترض أن تجيب عن كل سؤال. 

والمصادر الموثوقة هي عصب التحقيق؛ وكلما زاد عددها زادت قوة التحقيق، وأصبح أكثر توازنًا وموضوعية.

والصحفي الجيد يبدأ البحث أولاً في المصادر المفتوحة .

تنقسم المصادر إلى: 
 

  • الورقية: تشمل الوثائق والمستندات والأوراق بمختلف أنواعها.
  • البشرية: تنقسم إلى مصادر أولية وأخرى ثانوية. والمصدر الأولي هو ما نعتمد عليه في الصحافة الاستقصائية، كونه على علاقة مباشرة بالحدث "الفعل" قيد التحقيق، كالضحايا، وشهود العيان، والمسؤولين عن الفعل، والمتدخلين والشركاء فيه.
  • الرقمية: تشمل قواعد البيانات الرقمية والمواقع الحكومية والخاصة، ووسائل التواصل الاجتماعي.

 

إقرأوا أيضًا: نصائح وخطوات للصحفيين الاستقصائيين للعمل بشكل جماعي ومنظم عبر الإنترنت

رابعا: إثبات الفرضية

يثبت الصحفي الاستقصائي فرضيته بواحدة أو أكثر من الطرق التالية، والتي تختلف باختلاف طبيعة التحقيق، وبيئة العمل:
 

  • تقاطع المصادر والشهادات

تعتبر الشهادات من أكثر الأدلة التي يستخدمها الصحفيون في إثبات فرضيات تحقيقاتهم، ويشترط في هذه الشهادات أن تكون صادرة عن عدة مصادر أولية مختلفة ومستقلة، لها علاقة بالحدث "الفعل"، وتفيد بوقوعه وارتباط شخوصه به، بروايات دقيقة ومتطابقة في المعنى.

وتحتاج كل معلومة، كي تصبح مقبولة إلى مصدرين أوليين ومعلومين ومستقلين على الأقل لتأكيدها. 

ونتعامل مع الشهادات وفق هذه المعايير:

  • مقارنة الشهادات وتدقيقها لتحديد أوجه التقاطع بينها.
  •  اختبار صدق المصدر وروايته أثناء المقابلة، ويطلب منه ما يؤكد دقة روايته وصدقها، وتحديد دوافعه من تقديم الشهادة.
  •  موازنة المعلومات والتأكد منها منطقيًا. 
  • يشترط في المصدر أن يكون مدرِكًا أفعاله وتصرفاته، ولا يكون مجنونًا أو طفلًا غير مدرك.
  • في حالات الصدمة لدى الضحايا يفضل عدم مقابلتهم لانتزاع التصريحات.
  • الاجتهاد في الوصول لكل المصادر الأولية المستقلة على جانبي التحقيق، أي من مع ومن ضد، ثم اللجوء إلى طرف ثالث مستقل ومحايد وعلى دراية للمساعدة في قياس مدى دقة الرواية وموثوقيتها.
  • أضعف المصادر من حيث قوة الإثبات هي المصادر "المجهلة" التي لا يمكن نشر أسمائها. ولا يجوز الاستعانة بها إلا استنفاذ كل الطرق الممكنة للوصول للمعلومات. 
  • بناء قواعد البيانات وتحليلها

أصبحت العديد من البيانات متاحة الآن على شبكة الإنترنت وفي وسائل الإعلام، وعلى الصحفي الاستقصائي البحث عن هذه البيانات وتطويرها والتأكد من دقتها، وتحليلها، وتجميعها، لإنتاج تحقيقات استقصائية على قدرٍ عالٍ من الجودة.

ولكي يبني الصحفي الاستقصائي قاعدة بيانات تسهم في إنتاج تحقيق جيد، عليه مراعاة الآتي:

  • طلب المعلومات الخام من الحكومة وأجهزتها.
  • الوصول إلى المعلومات التي لا ترغب الحكومة في كشفها.
  •  جمع البيانات غير المتاحة بنفسه أو بمساعدة آخرين، بالاستطلاع، والمقابلة الشخصية، والزيارات الميدانية، والرصد وغيرها.
  • البحث عن البيانات من خلال تحليل ومتابعة ما نشرته وسائل الإعلام في أوقات سابقة، وكذلك انطباعات الرأي العام بشأنها أو بشأن قضايا مماثلة.
  • بناء قاعدة بيانات وفق احتياجات التحقيق، عبر استخدام البيانات الموجودة، بعد تحويلها رقميّا، مع ضرورة العمل على تنقيتها ومراجعتها لضمان خلوّها من الأخطاء.

إقرأوا أيضًا: دليل شامل للصحفيين للتحقيق في تجارة الأسلحة

  • الأدلة الكتابية

تشكل الأدلة الكتابية والأوراق مصدرًا مهمًّا للصحفي في إثبات بعض حقائق تحقيقه، ويجتهد في الوصول إليها؛ بغيةَ استخدامها كأدلة إثبات قوية.

وتعتبر الوثائق الرسمية الصادرة عن السلطات المسؤولة، هي أكثر الأدلة قوة في إثبات الوقائع والأحداث ما لم يثبت تزويرها. وتعتبر الصورة طبق الأصل منتجة كالأصل؛ ما لم يثبت عدم صحتها.

وتنقسم الأدلة الكتابية إلى عدة أقسام، وتختلف قوة كل منها كدليل إثبات:

• الأوراق التي تنظمها الحكومة وأجهزتها الرسمية، تكون حجة على الكافة.

• الأوراق التي تنظمها المؤسسات والشركات تكون حجة على المؤسسة أو الشركة.

• الأوراق التي ينتجها الشخص الطبيعي، وتكون مصادقة منه بالتوقيع أو الختم أو البصمة، تكون حجة على منظِّمها فقط؛ مثل: الرسائل الشخصية، والوصايا، والمذكِّرات الشخصية.

• الأوراق التي تنتجها المؤسسات والأشخاص الطبيعيون، ولم تكن مصدقة أو موقّعة، تعامل على أنها قرينة وليست دليلًا، تحتاج أدلة أخرى لدعمها.

• رسائل البريد الإلكتروني تكون حجة على مُرسلها فقط.

• رسائل البريد الإلكتروني الصادرة عن الحكومة، تكون منتجة من ناحية الإثبات، ما لم يثبت تزويرها.

• قرارات المحاكم القطعية تعتبر حجة على الناس كافة، في حين أن القرارات غير القطعية، وملفات التحقيق، لا تعتبر دليلًا للإثبات، لأنه ربما تتضمن اعترافات انتُزعت بالقوة. لكن يمكن الاستئناس بها كقرينة، إذا دعمتها أدلة أخرى.

• مَحاضر المجالس والهيئات والأحزاب والجمعيات والنقابات والشركات، تعتبر منتجة من ناحية إثبات ما قيل بالجلسة.

  • التجربة الشخصية

تعتبر التجربة الشخصية من أكثر أدلة الإثبات أهمية، وهي قيام الصحفي بفعلِ ما، يسمح له القانون بالقيام به، كسائر الناس، من دون إخفاء أو تبديل هويته، بغية فحص الالتزام بالقانون، والكشف عن أخطاء وانتهاكات تقع بسبب النظام "السيستم" أو الأشخاص المسؤولين فيه.

ويشترط فيها:

• عدم التخفي والعمل السري.

• أن يقوم الصحفي بالتجربة كأي شخص عادي.

• تكرار التجربة للتأكد أن المشكلة في النظام وليس مقدّم الخدمة.

• البحث بعمق ودقة قبل القيام بالتجربة، ومعرفة القوانين والتعليمات والإجراءات ذات الصلة.

• عدم إنكار الهوية الصحفية إذا طُلب من الصحفي التعريف بشخصه.

• عدم التطوع بالكشف عن الهوية الصحفية كي لا يؤثر ذلك في التجربة سلبًا.

• التعامل بحذر وعدم لفت الانتباه.

• أن يوثّق الصحفي ما قام به، ويلتقط الصور والفيديوهات، أو يدوّن ما حدث معه بدقة حال الانتهاء من التجربة، وتكرارها.
 

  • التحليل المخبري

يلجأ الصحفي الاستقصائي إلى التحليل المخبري للتأكد من انتهاكات لا يمكن إثباتها بالوسائل السابقة. ويعتبر التحليل المخبري العلمي والدقيق دليلاً قويًا ودامغًا، لأنه صادر عن طرف محايد ومتخصص ومعتمد لدى الحكومات وأجهزتها. 

ولا تعتبر نتائج التحليل -وحدها- تحقيقًا استقصائيًّا، فهناك جهد آخر للوصول إلى الخلفية والسياق، وإلى معنى نتيجة التحليل من الناحية العلمية، وأثرها في الضحايا، علاوة على ربط التحليل ونتائجه بهؤلاء الضحايا.
 

  • الخبرة الفنية

إذا كان الصحفي يعمل على تحقيق حول تزوير أوراق رسمية، مثلا، أو شهادات علمية لمسؤول، أو تواقيع، فإنه حتما سيذهب إلى خبير فنيّ معتمَد لفحص الأوراق والتوقيع ومقارنتها والتأكد منها، أو من الحادث بدقة.

وتستخدم الخبرة الفنية أيضًا في مجال تقدير أسعار العقارات، وفي تحقيقات الثراء غير المشروع، والفساد المالي.

وعند انتهاء الخبير من عمله، يتوجب عليه كتابة تقريره الفني الخاص بالمهمة، وأن يكون موقعًا باسمه ومختومًا ما أمكن ذلك، ثم يذهب الصحفي بعده إلى خبيرين آخرين مستلقين، ويكرر الإجراء ذاته، حتى تكون نتائج التحقيق محايدة ومستقلة.

وفي حال كان التحقيق تلفزيونيًا، فيُجري حوارا تلفزيونيًا مع الخبراء إضافة لما سبق.
 

  • التخفي

التخفي في الصحافة الاستقصائية هو العمل السري دون كشف الهوية الصحفية.

ويشترط للعمل السري أو التخفي توافر الشروط التالية مجتمعةً:

• أن تكون المعلومات المراد الكشف عنها مهمة للجمهور، وتخدم الصالح العام.

• أن يكون هو الوسيلة الأخيرة للحصول على المعلومات، بعد استنفاد كل الطرق المهنية والأخلاقية المتاحة.

• أن يوثق الصحفي جميع محاولاته للحصول على المعلومات بطرائق مشروعة؛ إذ يمكن أن تساعده في حال تعرضه للمساءلة القضائية.

• ألا ينتحل صفة رسمية، مدنية أم عسكرية، أو يرتدي علانية، ودون حق- زيًا رسميًا خاصًا بإحدى الوظائف العامة.

• اعتماد خطة للطوارئ في حال إلقاء القبض على الصحفي أو تعرضه للخطر. 

• استشارة محامٍ متخصص في قضايا الإعلام والنشر لمعرفة المشكلات القانونية المتعلقة بالعمل السري، وانتحال الصفات.

• أن يخبر الصحفي الجمهور في مادته، بأنه عمل بشكل سري، مع توضيح الأسباب.

• يجب منح فرصة للشخص أو المؤسسة التي تأثرت من العمل السري للرد.
 

  • استخدام التسجيل السري

يمكن استخدام التسجيل السري "الكاميرا / الصوت" سواء أثناء التخفي، أو أثناء العمل العادي.

لكن يجب الحفاظ على أخلاقيات المهنة أثناء استخدامها، وعدم تعريض المصادر للخطر. وألا يكون التسجيل السري في مكان خاص محمي بالقانون، كالمنازل.

ويشترط في استخدام التسجيل السري تحقيق نفس الشروط المذكورة سلفا في بند "التخفي والعمل السري" بحيث يُعتَدّ به دليلا للإثبات..
 

  • المسوحات الميدانية

رغم أن المسوح الميدانية والاستبيانات تستخدم في الأبحاث العلمية، إلا أنها مفيدة جدا في الصحافة الاستقصائية، بل ضرورية في بعض التحقيقات لِما توفره من أدوات قياس، تعتمد الدقة والموضوعية والمنهج العلمي، ويعتد بها كدليل للإثبات.
 

  • حشْد المصادر

يستخدم بعض الصحفيين في تحقيقاتهم الاستقصائية عملية جمع البيانات من خلال الاستعانة بالجمهور. 

وفي ظل التطور الرقْمي المتسارع، أصبح استخدام حشد المصادر أكثر سهولة وأمانًا، ولكن أكثر خطورة أيضًا؛ لأن البيانات القادمة من تطوع الجمهور تحتاج إلى تدقيق وتمحيص أكبر قبل اعتمادها.

أحمد العطار هو صحفي استقصائي مصري متخصص في التحقيقات مفتوحة المصدر وشؤون البيئة، حاصل على جائزة أريج عام 2012.

الصورة الرئيسية حاصلة على رخصة الاستخدام على أنسبلاش بواسطة Thought Catalog