يوم في حياة: عثمان محمد، صحفي من العراق

بواسطةبسام سبتي
Oct 31, 2008 في موضوعات متخصصة


18/6/2008 -- 

لم تمض سوى خمسة أيام على الحادث الذي كاد أن يودي بحياتي في ضاحية أبي غريب غرب العاصمة العراقية بغداد. حينها كنت أعمل على قصة طفلة عراقية تم استغلالها من قبل المسلحين بعد أن فقدت جميع أفراد عائلتها في أحد الإنفجارات. أحتجزت من قبل بعض المتشددين المنتمين للقاعدة وتمت مصادرة كاميراتي وهاتفي وحتى مصروف جيبي ومن ثم أطلق سراحي والحمد لله بأقل الأضرار وأرحمها لي وهي إقامة عقوبة الجلد.

كان خلالها فريق واشنطن بوست في بغداد وزوجتي يستعدون لمواجهة كارثة حقيقة قد تحل وهي مقتلي على أدي هؤلاء المتشددين. قبل أشهر قليلة فقدنا زميلنا صالح سيف الدين في أحد أحياء بغداد ولم نفق من الصدمة بعد. ولكن والحمد لله كل ما فقدته كان ثلاثة أسنان، أحدهما في المقدمة بعد تعرضي لضرب من قبل المتشددين. أما حالتي النفسية فقد تمكنت من تجاوزها خلال أيام بفضل الأهل والأصدقاء.

واليوم أعود من جديد إلى الميدان للبحث عن قصة جديدة وأحداث أتمنى أن أكون أنا أول الواصلين إليها. إنه يوم الأثنين،  اليوم الخامس بعد الحادث، الساعة الثامنة في منزلي ببغداد حيث أستعد للذهاب إلى مقر صحيفة واشنطن بوست حيث أعمل كمراسل خاص.

هذا اليوم لا يختلف عن أي يوم في حياتي عملت فيه لإنجاز قصة ما أتوق لنشرها في اليوم الثاني. ولأني اذا أردت أن أعرف اكثر يجب ان اقترب أكثر من مكان الحدث أو القصة، قمت بترتيب ملابسي ومظهري الخارجي وأخفيت بطاقتي الصحفية داخل حذائي الذي اشتريته بمقاس أكبر قليلاً من مقاسي المعتاد ليتسع لما أخفي بداخله، واكتفيت بقلم ودفتر صغير وهوية الجنسية العراقية فقط ومصروف جيب يكفي للتنقل بتاكسي داخل تلك المنطقة.  

غالبا ما أضع حذائي على باب المنزل الخارجي خوفا من زوجتي التي يقلقها ويخيفها مشاهدتي وانا أضع هوية الصحافة الخاصة بي داخل الحذاء وأنا خارج الى العمل حيث اعتدت على أن أخفي كل شيء بحوزتي يخص عملي الصحفي داخل حذائي وأخرج إلى الشارع خوفاً من عناصر القاعدة الذين يعتبروني مرتداً عن الإسلام ومهدور الدم او أفراد المليشيات الشيعية التي أعلنت عدائها لكل العاملين في الصحافة الأمريكية بعد اتهام إيران للإعلام الأمريكي بالتضليل ووجهت بذلك فرقها الخاصة ببغداد باستهدافنا كما اخبرنا به من بعض الجهات الأمنية العراقية والأمريكية.

ولأنهم يفتشون كل شيء في نقاط التفتيش العشوائية والمؤقتة التي يقيمونها هنا وهناك، كان لزاماً علي ان أهيئ نفسي لأي جماعة مسلحة تقطع الشارع وتفتش العراقيين وتبحث عن انتمائهم الطائفي أو عملهم. كما يجب ان أهيئ مظهري الخارجي ليتناسب مع المنطقة التي سأدخل إليها وأجرب قصتي الجديدة: لحية وشوارب أو ملابس عريضة إسلامية ومسبحة كغطاء لأتحرك به دون مضايقة المسلحين مع ضمان عدم تعرض القوات الأمريكية أو العراقية لعملي.  

وقبل ان أخرج للعمل، أعدّت لي زوجتي الحبيبة الفطور وفنجان الشاي. بعدها خرجت إلى الشارع واضطررت إلى البقاء طويلا هناك  لوصول سيارة الأجرة التي ستأخذني إلى مدينة اللطيفية جنوب بغداد الواقعة في منطقة تعرف بمثلث الموت، حيث معقل العرب السنة في العراق وملاذ عناصر تنظيم القاعدة، وكانت القصة تدور حول  ما هو رأي أهالي اللطيفية بالاتفاقية الأمنية بين العراق والولايات المتحدة ومدى رفضهم او تأييدهم لها.

بعد ساعة من انتظاري، وافق سائق أجرة على ان يأخذني بشرط عدم الدخول الى وسط المدينة خشية من تعرضه إلى الاختطاف او القتل بسبب طائفته الشيعية. وعلى الرغم من محاولتي أقناعة بان الوضع أصبح أكثر أمنا إلا إنه رفض جميع المغريات التي قدمتها له وكل محاولاتي باءت بالفشل. وأخيرا وافق على أن يوصلني حيث محطة سيارات قريبة من مركز المدينة. سيكون عليّ أن أسير مسافة بضعة أميال كي أصل إلى أول سيارات النقل الداخلية.

بعد مضي ساعة ونصف من السير بسيارة الأجرة، وصلت إلى حدود المدينة وودعت السائق الذي ابتسم قائلاً " الصحافة في العراق مهنة المجانين والمفارقين للحياة. " وتمنى لي يوماً قال عنه "أرجو أن لا أسمع بخبر موتك على نشرة أخبار المساء !!"

بدت مدينة اللطيفية خالية من أي حياة وكانت أبرز معالمها نقاط التفتيش التي يقيمها المارينز وعناصر الجيش العراقي. أخبرت  أحد  أفراد المارينز بأني صحفي أرغب بإجراء استطلاع داخل المدينة، بعد سلسلة أسئلة مملة اعتدت عليها من افراد المارينز بعد دخول أي مدينة عراقية. فطلب مني أن أحدد له الأماكن التي سأزورها في المدينة خوفا من تعرضي لأذى ولكي أبقى كما قال في مأمن. غير أنه يريد غير ذلك حيث ان دخول أي صحفي عراقي أو غربي إلى مدينة يشرف عليها الجيش الأمريكي يتوجب أن يعلم قائد الجيش نوع القصة أو سبب القدوم وكذلك ما سيكتبه الصحفي خلال تواجده في تلك المدينة.  فاعتذرت منه كوني لا أعلم أي منطقة سأدخل واي مكان سأقصد خاصة وأن المدينة قد تغيرت كثيرا لدى آخر زيارة لي فيها والتي كانت خريف 2006.

وبعد مسافة طويلة تخللتها أربع نقاط تفتيش للمارينز وإثنان للجيش العراقي وأخرى لقوات الصحوة العشائرية وثامنة للشرطة العراقية، دخلت الى قلب المدينة الكئيبة بشوارعها وسياراتها المحطمة وساكنيها الذين باتوا يتوجسون خيفة من أي صحفي كان بسبب ما عانوه سابقا من أخبار كاذبة نقلت عن مدينتهم على حد وصف أحدهم.  

همست بأذن احدهم وكان يقف عند محل لبيع شرائح الجوال،  "السلام عليكم، أنا صحفي محب لكم ارغب في طرح بعض الأسئلة عليك."

"ابتعد عني لا تعنيني أي أسئلة."

مضيت قدماً إلى رجل آخر في العقد الرابع من عمره كان يجلس قرب مسجد. "مرحباً سيدي، أنا صحفي وعندي استطلاع للرأي أتمنى ان اطرح عليك بعض الأسئلة." وكان رده شبه متوقعاً.

"اعوذ بالله. أنتم عملاء للأميركان يجب قتلكم. إبتعد عني وإلا أخبرت المجاهدين عنك." بعدها تلفض ببعض الكلمات النابية بينما اسرعت في الخطى مبتعدا عنه.  

أخيرا لمحت عيناي شرطي مرور يقف عند تقاطع طريق لا تمر به إلا سيارات الشرطة والمارينز والدراجات الهوائية.

"مرحبا هل انت من اهل المدينة؟" سألت وأنا كلي أمل أن أجد ما جئت أبحث عنه.

"نعم، تفضل."

"أنا صحفي وعندي سؤال. هل يمكن ان يتسع صدرك لي؟"

"نعم، لكن هل انت شيعي ام سني؟  فأنا لا أتحدث مع وسائل الإعلام الشيعية."

"أنا أعمل مع صحيفة امريكية."  

"أهلاً، اهلاً."

"ما رأيك بالاتفاقية الأمنية؟ هل تؤيد إتفاقية مع الولايات المتحدة؟"

"نعم، نحن نحب الامريكيين وهم اصدقاء لنا."

ولكن من خلال الطريقة التي تحدث بها الشرطي، أحسست بأنه غير صادق. ربما كان ريد أن يحصل على شيئ من الثناء من قادة الجيش الامريكي في المدينة بعد نشر اسمه.

استمريت بالبحث عن أناس آخرين يتكلمون الحقيقة.

حلّت الساعة الواحدة ظهراً وانا لم أستقي أي رأي صادق من أحد ما لذا قررت ان أستخدم أسلوب قديم تعلمته في الجامعة وهو خلع ثوب الصحفي ولبس ثوب آخر يتناسب مع اهل المدينة وتفكيرهم. قمت بالدخول إلى مقهى قديم ووجدت الكثير من الشبان فيه بسبب البطالة. كان بعضهم يلعب الدومينو والأخر البوكر.

"السلام عليكم." حييتهم وأنا أترقب الوجوه. "أنا معلّم وصلت حديثًا إلى المدينة وهناك عدد من الأسئلة ارغب بطرحها عليكم كي تكون بحث طلاب المدرسة لهذا الاسبوع."  

إجتمع أغلب من كان في المقهى. "تفضل اسأل كل واحد على انفراد."

عندها أخذت أربعة وعشرين إجابة ورأي، كان بعضها مختلفاً. وأجابني الجميع بصدق إلاّ واحد منهم اضطرت الى حذف جوابه من دفتري بسبب حدسي بعدم صدقه لا أكثر.

في النهاية وبعد ان شربت فنجان من القهوة أخبرتهم انني صحفي وإني لن أنشر اسمائهم إذا أرادو ذلك. وأخبرتهم بأني يئست من التحدث مع أحدكم الا بتلك الطريقة. فقام الجميع صارخين، "لا تذكر أسمائنا. فنحن نخاف من أذرع إيران ومن القاعدة ومن الصحوة ومن المارينز ومن الحكومة ولا نرغب بأن ندخل في مشاكل نحن في غنى عنها." بعضهم غضب بشدة واستنكر ما أسماه كذبي عليهم وأخريين تفهموا الحكاية.  لكنني أفهمتهم إنني ما خرجت كل تلك المسافة إلا لأحصل على إجابة صادقة.

عند عودتي الى حدود المدينة حيث سيارات النقل العامة استوقفتني نقطة تفتيش لقوات الصحوة وأخبرني أحدهم أنهم علموا بأمري وإنني صحفي بفضل عيون منتشرين في المدينة وانهم تركوني بمطلق حريتي أعمل لأنهم يؤيدون تلك الإتفاقية وطلبوا مني ان أستقل سيارة تابعة لهم ليوصلوني إلى خارج المدينة، كون المتشددين السنة علموا بوجودي ويرغبون بالضغط علي من أجل تغيير القصة التي جئت من أجلها لصالح تطلعاتهم وأفكارهم.

عدت إلى منزلي مسرعا لاتفاجئ بان بطاقتي الصحفية قد تلفت بفعل الماء الذي دخل إلى حذائي خلال تجوالي في شوارع المدينة الغارقة بمياه الأمطار. لم أجد إلا ساعة واحدة لمجالسة أطفالي وزوجتي قبل ان أغفو وأنا  أحمد الله على تمكني من إنجاز جزء من الاستطلاع. ومنحت نفسي راحة لعدة ساعات قبل أن أفكر بالطريقة الجديدة التي سأدخل بها أحد الأحياء الشيعية كي أنجز بقية الاستطلاع.

يعمل عثمان محمد كمراسل خاص لصحيفة واشنطن بوست في العراق حيث يغطي أخبار الحرب، خصوصاً في المناطق السنية المتوترة، من ضمنها محافظة الأنبار مسقط رأسه. ويدرس عثمان حالياً الماجستير في "صحافة الحرب" في جامعة عين شمس في جمهورية مصر العربية.