وسائل الإعلام وتأثيرها على السلم المجتمعي.. العراق نموذجًا

作者منار الزبيدي
Jun 3, 2020 发表在 سلامة الصحفي
الحوار

نشط إعلام التحريض والكراهية المهدد للسلم المجتمعي بعدما وجد حاضنته المناسبة في العراق، كونه بلد يعاني من صراعات ونزاعات مستمرة، أدت إلى ضعف تطبيق القانون وتفاقم حجم الضغوطات والتهديدات التي استهدفت الصحافة المستقلة والصحفيين المستقلين مع تزايد القيود على حرية الرأي والتعبير.

وقد لعبت بعض وسائل الإعلام دوراً محرضاً بهدف تحطيم السلم الأهلي بين أفراد المجتمع العراقي، عبر الاعتماد على جماعات وأفراد تسمى "الجيوش الالكترونية"، كُلّفت بمهمة الترويج لمحتوى إعلام الكراهية مقابل الحصول على مبالغ مالية كبيرة، بعدما أدرك أصحاب مشروع الكراهية الذين يملكون المال والسلطة أن الإعلام هو واجهتهم إلى المجتمع لإثارة الحروب الأهلية والنزاعات والتفرقة بين مكونات الشعب.

أداة تغيير

توصف وسائل الإعلام بالسلاح ذي الحدين كونها خطيرة ومؤثرة في ذات الوقت وتستوجب الحذر الشديد عند استخدامها، ولكونها أداة تغيير مهمة نرى أن اغلب الدول المتقدمة في مجال حقوق الإنسان تولي اهتماماً كبيراً بنوع المحتوى الإعلامي المقدم لجمهورها فتقيمه وتراقبه وتدرس تأثيراته على المجتمع خلال مرحلة الإعداد وما بعدها.

وفي هذا السياق، ترى د.نهلة نجاح العنزي وهي أستاذة في قسم الإعلام/كلية الفارابي أن الإعلام يعدّ من أبرز أدوات التغيير والتأثير التي يجب أن تستثمر لنشر أركان السلم المجتمعي وإتاحة فضاءات إعلامية واسعة لتعزيز إعلام المواطنة وخلق الوعي الجمعي السليم لدى الأفراد حتى يفهموا معنى حرية الرأي والتعبير واحترام الآخر المختلف عقائديا ودينيا وقوميا لخلق حصانة ضد الفتن والصراعات.

وتحمّل العنزي وسائل الإعلام المهنية مسؤولية صياغة ونشر أفكار الجمهور وتغيير الاتجاهات السلبية السائدة لتعزيز السلوكيات الإيجابية من خلال المضامين الإعلامية الهادفة لمواجهة إعلام الكراهية والتحريض الذي لعب دوراً كبيراً في اتساع فجوة الكراهية بين الأديان والطوائف ووصل إلى مرحلة الخطورة الحقيقية المهددة للسلم المجتمعي.

غياب القانون

ساهمَ عدم وجود قانون يجرّم خطاب الكراهية والتحريض في وسائل الإعلام في زعزعة السلم المجتمعي، ورغم  أن الحكومة العراقية استحدثت مجموعة من التشكيلات لتنفيذ برامج تعمل على تعزيز السلم الاجتماعي، إلا أنها أغفلت جوانب المعالجة الحقيقية الكامنة في مواجهة الدور السلبي لبعض وسائل الإعلام بشكل كاف لا سيما وسائل الإعلام المملوكة لأحزاب نافذة تحظى بدعم حكومي وحزبي غير محدود، ورغم خروق بعض تلك الوسائل إلا أنها لم تتعرض إلى المساءلة من قبل هيئة الإعلام والاتصالات كونها الجهة الرسمية المعنية بتنظيم الإعلام والاتصالات في العراق.

تشخيص

من جانبها، شخّصت مؤسسة بيت الإعلام العراقي وجود خطاب الكراهية والتحريض في وسائل الإعلام العراقية وأدركت مدى خطورته وتأثيره على النسيج المجتمعي، ولذلك نفذت العديد من الجلسات الحوارية التي استضافت فيها صحفيين ومدونين ناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي وأعدت تقارير رصد خطاب الكراهية في الإعلام العراقي أبرزها تقرير فرسان الكراهية بجزأيه الأول والثاني وقاموس الكراهية. كما رصدت المؤسسة صفحات ممولة عبر فايسبوك نشرت الكثير من الوثائق والصور المفبركة.

وقالت منار عز الدين من بيت الإعلام العراقي إنّ "تلك الجيوش الالكترونية نشطت في العراق بشكل مكثف خاصة في أوقات الأزمات على الصعيد الوطني مثل التفجيرات وحالات الخطف وغيرها". وبحسب عز الدين فإنّ أموالاً طائلة صُرفت لإنشاء منشورات ممولة مضمونها خطابات كراهية وتحريض ونشر أخبار وصور مفبركة، وكإجراء عملي، راقب بيت الإعلام العراقي النطاق الزمني لتمويل منشورات معينة وحجم التفاعل معها ومع حساب فترة تمويل المنشورات التي وصل بعضها لأكثر من 15 يومًا وإحصاء التفاعلات التي جمعتها هذه المنشورات، تبيّن أنّ تمويل كل منشور يكّلف أكثر من 500 دولار، استنادًا إلى أجور وآليات الإعلانات الموضحة من قبل شركة فايسبوك.

المنظمات الدولية 

توازيًا، لعبت المنظمات الدولية العاملة في مجال الإعلام دوراً حقيقًا وبارزاً في مواجهة خطاب الكراهية الإعلامي في العراق  من خلال دعم وسائل الإعلام المستقلة والصحفيين المستقلين لإنتاج مواد صحفية تدعم الاستقرار وتحقق السلام وتعطي الأهمية للأقليات والفئات المهمشة وتساعد الجمهور في فهم الحقائق بمهنية وشفافية، وبذلك أصبح للإعلام المهني المستقل فرصة كبيرة في بناء التغيير الفكري الايجابي للمجتمع وتوطيد ثقافة السلم المجتمعي.

وتعتبر منظمة دعم الإعلام الدولي من أبرز المنظمات الدولية التي عملت في العراق منذ العام 2008 وساهمت بدعم وتعزيز السلم المجتمعي من خلال مشاريعها المتعددة، من بينها مشروع منصة الموصل الإعلامية التي انطلقت عبر الانترنت بعد تحرير الموصل من تنظيم "داعش" بهدف بناء السلم المجتمعي في تلك المناطق بعدما قوضَ بين مكوناتها.

من جهتها، تقول رئيسة تحرير المنصة خلود العامري إنّ "إعادة بناء السلم المجتمعي مسؤولية كبيرة كان يجب أن يكون للإعلام الدور الأبرز في التصدي لها، ومن هنا ولد موقع المنصة الذي عمل بشكل مكثف على إنتاج ونشر قصص السلم المجتمعي"، مضيفةً: "استطعنا بواسطة عدد من الصحفيين المستقلين نشر الكثير من القصص ذات الصبغة الإنسانية المجسدة للتعايش المجتمعي المتنوع والتي تجاهلها الإعلام بشكل تام، كما ركزنا على دور النساء في صناعة السلم المجتمعي لما لعبته من دور كبير في تعزيز التماسك الأهلي خلال سيطرة تنظيم داعش وما رافقتها من انتهاكات خطيرة ضد الأقليات وخاصة النساء، ومن أبرز تلك المشاهد قصص الصداقة والمساعدة التي حصلت بين المسلمات والمسيحيات والايزيديات عندما لجأن إلى الأسر المسلمة هربًا من التنظيم، إضافة إلى قصص أخرى جسدت دور العمل التطوعي للشباب من طوائف مختلفة بعد تحرير الموصل بهدف إعادة الحياة مثل ترميم الكنائس والمساجد ورفع الجثث وغيرها".

وللمنصة رؤية واسعة تهدف إلى تعزيز السلم المجتمعي في كل العراق لذلك بدأت خلال العام  2019 بإنتاج قصص صحفية بنكهة التعايش السلمي شملت جميع مناطق العراق، ووثقت العديد من الأحداث والتجارب أبرزها قصص تعايش النازحين من الموصل والمناطق الغربية مع سكان وسط وجنوب العراق، لذلك تغير إسم الموقع من منصة الموصل الإعلامية إلى منصة العراق الإعلامية، وفقاً للعامري.

نيبرو

تأسس موقع نيبرو للتواصل الاجتماعي في العام 2016 بهدف دعم السلم المجتمعي ونبذ العنصرية والطائفية والابتزاز وتعزيز مبادئ السلام. ويقول مؤسس الموقع سجاد سعدي: "في نيبرو لا وجود لكلمات الفتن والكراهية لأنه وبحسب إعدادات الموقع استطعنا التحكم بكل الكلمات المحرضة من خلال تشفيرها فضلا عن سياسة المراقبة الشديدة لأي تمرد أو مشاركة غير صحية يتم تداولها عبر الموقع، كما اعتمدنا منهجية نشر المقالات والمشاركات التي تدعو إلى السلام وتعزز التعايش السلمي".

في السنة الثانية من انطلاق نيبرو، حصل تعاون مشترك مع منظمة دعم الإعلام الدولي يتضمن نشر محتوى إعلامي رصين يهدف إلى محاربة الفكر المتطرف وتعزيز السلم المجتمعي وفسح مساحة واسعة أمام الأقليات لإيصال صوتهم ونشر آرائهم وأفكارهم، بحسب سعدي الذي أضاف: "حققنا في نهاية التعاون الكثير من النجاحات على الصعيدين الواقعي والافتراضي واستطعنا إيصال أفكارنا إلى مستويات بعيدة ومختلفة ومؤثرة".

ويعتبر نيبرو من وسائل التواصل الاجتماعي المنافسة لفايسبوك وانستجرام، فهو يحظى بمتابعة آلاف الزائرين والمشتركين من كافة البلدان وخاصة العراق.

معهد صحافة الحرب والسلام

وهو من المنظمات الدولية المهتمة بتطوير الإعلام والمجتمع المدني ومراقبة حقوق الإنسان والحريات وخاصة الصحفية، ويعمل من أجل تحقيق التغيير المجتمعي الايجابي في البلدان التي تمر بمرحلة انتقالية وتشهد نزاعات خاصة في المجتمعات المغلقة. بدأ العمل في العراق منذ العام 2003 بعد التغيير السياسي وركز في عمله خلال السنوات الخمس الأخيرة على دعم المصالحة والتعافي في العراق خاصة خلال فترة سيطرة تنظيم داعش وما بعد تحرير الموصل والمناطق الغربية.

وعن عمل المعهد، يقول مديره في العراق نبيل خوري: "عملنا جاهدين من أجل دعم المجتمع المدني وتفعيل دوره للمساعدة في إعادة العراق إلى وضعه السليم ومعالجة الآفات المجتمعية الموجودة قبل داعش والتي تفاقمت بعد ذلك مثل النزاعات الطائفية والفئوية والتوتر القومي والعرقي فقد نفذ المعهد العديد من المشاريع والحملات وأسس صفحات مهمة ومؤثرة أبرزها حملة #رسائل_إلى_الموصل التي تبنتها مجموعة من الناشطين وتضمنت جمع رسائل دعم واطمئنان كتبها المواطنون من كل العراق إلى أهالي الموصل، دعوهم من خلالها إلى عدم تصديق شائعات التخويف والترويع التي أطلقها داعش لخلق أزمة ثقة بين الموصليين والقوات الأمنية المحررة".

وأضاف خوري أنّ تلك الحملة حققت أثرا كبيراً في إفشال خطة داعش لتأخير أو إحباط عملية التحرير وزرع الكراهية بين الموصليين والقوات العراقية المحررة، وتعتبر هذه الحملة الأولى من نوعها فقد تمّ استخدام طائرات عسكرية لتحلّق في أجواء الموصل وتوصل رسائلهم إلى المدنيين في تلك المنطقة.

وبحسب خوري، فإنّ المعهد لم يكتف بهذه الحملة بل أطلق حملات مهمة أخرى، منها#محو_الداعشية الهادفة إلى مواجهة الأفكار المتطرفة والتنمر المجتمعي ضد الآخرين وكان لها أثر كبير في تحجيم مظاهر العنف المجتمعي، لا سيما بعد إطلاق حملة #خل_نتصافى التي دعت إلى التسامح ونبذ الخلافات وتعزيز الصداقة والعلاقات الاجتماعية.

كما أطلق المعهد حملة #رفعة_راس لدعم المرأة العراقية وتعزيز دورها في الأمن والسلم المجتمعي، إلى جانب ذلك عمل المعهد على تأسيس صفحة هلا بالعراق والتي تتبنى نشر محتوى هادف يدعم التماسك والتنوع الاجتماعي.

وبناءً على ما سبق ذكره، يمكن الإستنتاج أنّ الإعلام هو وسيلة وأداة فعالة لدعم السلام وتعزيز السلم المجتمعي بشرط أن يتم تنظيم العمل الإعلامي ضمن إطار حرية الصحافة والإعلام وفقاً لمبادئ حقوق الإنسان، وبما يكفل حرية الرأي والتعبير، كما يجب أن يتوفر الدعم الكافي لوسائل الإعلام المستقلة التي تتحمل بالشراكة مع منظمات المجتمع المدني المختصة مسؤولية تعزيز السلم والتماسك المجتمعي ورفع مستوى الوعي لدى الجمهور ليطغى الإعلام المهني على إعلام الكراهية.

الصورة الرئيسية حاصلة على رخصة الإستخدام على بيكسيباي.