مجالس الصحافة: خلق آلية لمراقبة أخلاقيات المهنة ولبناء الثقة بين الصحفي والمتلقي

作者 إسماعيل عزام
Feb 6, 2014 发表在 أساسيات الصحافة

مراقبة أخلاقيات مهنة الصحافة من الإشكاليات الكبرى التي تعتري العمل الإعلامي، ومنذ سنوات طويلة ونقاش عميق يتمحور حول أي آلية هي الكفيلة بتحقيق هذا الغرض، هل يتم الاحتكام مثلاً إلى الميثاق الأخلاقي للمؤسسة الإعلامية وحده؟

هل يتم اعتماد آلية الوسيط المندمجة داخل الوسيلة الإعلامية والتي تسمح بالوساطة بين الصحفيين والجمهور بحيث ترشد الفريق الأول إلى الأخلاقيات وتنصت لشكاوى واقتراحات الفريق الثاني؟ هل تتم المراقبة عبر جمعية للمستهلكين؟ أم يمكن الاستعانة بتجربة المجالس العليا للصحافة الموجودة في عدد من الدول؟

يُعتبر الاقتراح الأخير من أكثر الآليات انتشاراً في العالم، ويوجد في عدّة دول متقدّمة كإيطاليا، وسويسرا، وألمانيا، وبريطانيا، وكذلك بعض الدول العربية كمصر. حيث يمكن القول إن المجلس الأعلى للصحافة هو هيئة منتخبة من عدّة فاعلين داخل المجال الإعلامي، لديها سلطة معنوية تجاه الصحفيين، بحيث تضبط الجانب الأخلاقي وتقدم تقارير دورية حول مدى احترام أخلاقيات الصحافة مع مراعاة الحق في التعبير من جهة واستبعاد الأحكام القضائية التي قد ينظر إليها كتضييق على الممارسة الإعلامية من جهة أخرى.

يأتي تأثير هذا المجلس، بحسب الخبير المغربي في الإعلام، جمال الدين ناجي في كتاب "موجز آداب المهنة"، رهين بمصدر الأطراف التي يتشكل منها، فهناك مجالس يعود تشكيلها إلى جهاز الدولة كما الحالة الدنماركية أو الهندية، وهناك مجالس لا تتشكل إلا من الصحفيين كما هو الحال في سويسرا، وهناك كذلك مجالس يشترك فيها أرباب المنشآت الصحفية والصحفيين. إلا أن التركيبة الأكثر فعالية هي عندما يتكوّن المجلس من أرباب العمل والصحفيين والمستهلكين وهو ما يتجسد في هولندا، والمملكة المتحدة، وبعض الولايات الأميركية. وتجدر الإشارة، إلى أن تمثيلية المستهلكين في بعض المجالس تفوق باقي التمثيليات كما هو الحال بالنرويج والسويد.

غير أن أدوار المجلس الأعلى للصحافة بمصر تتجاوز مجال ضبط الجانب الأخلاقي، لتصل إلى درجة اختيار قيادات مؤسسات الصحافة القومية من رؤساء مجال الإدارات ورؤساء تحرير الإصدارات، ويعمل كذلك على تحديد حصص الورق لدور الصحف وتحديد أسعار الصحف والمجلات، كما أن طريقة تشكيله تأتي عن طريق إذن من رئيس الجمهورية المصرية.

السؤال الذي يُطرَح يكمن في مصادر تمويل هذه المجالس سواء من أجل استمراريتها أو من أجل ضمان استقلاليتها ونزاهتها، هناك مجالس تشتغل عن طريق التمويل من الدولة، وهناك من تُموّل من نقابات الصحفيين ومؤسساتهم عبر اشتراك سنوي، وهناك من تمزج بينهما، إضافة إلى أن المجلس السويدي يموّل كذلك عن طريق الغرامات التي تفرض على بعض المؤسسات الإعلامية نتيجة خرقها لميثاق الأخلاقيات.

ووفق ما يضيفه جمال الدين ناجي، فإن مهمة هذه المجالس تتمحور حول ثلاثة أهداف رئيسية، الأول حماية الجمهور، الثاني حماية الصحفيين، والثالث لعب دور الوسيط بين الاثنين. أي أنها تقوم بوظائف جمعيات حماية المستهلك، والنقابات، وكذلك وظائف مؤسسة الوسيط التي توجد داخل المنشأة الإعلامية.

ومن الأمثلة على فعالية بعض هذه المجالس، هو إدانة مقال تمّ نشره في جريدة "ديلي تيليغراف الأسترالية"، بحيث صنّفه المجلس الأسترالي للصحافة، بسبب احتوائه على اتهامات بحق ديانة بأكملها جراء ضلوع بعض الأشخاص في عملية سرقة، حيث أشار المقال إلى أنهم مسلمون في حين كان من الممكن الحديث عن أنهم متشددين. وقد اعتبر المجلس هذا المقال خرقاً لأخلاقيات الصحافة التي عليها أن تبتعد عن كل ما يسيء إلى الدين، والعرق، واللغة، والأصل وما إلى ذلك من المواضيع التي يجب التعامل معها بحذر بالغ.

بالعودة إلى الدول العربية، تعمل دولة المغرب حالياً على تشكيل هذا المجلس وهو الذي سينتخب من المهنيين فقط، أي أن الدولة المغربية لن تكون ممثلة في هذا المجلس الذي سيعمل على التنظيم الذاتي للمهنة من طرف أصحابها دون الحاجة إلى تدخل من الدولة.

كما تعمل تونس على تشكيل هذا المجلس في الأيام المقبلة، فقد أشارت رئيسة النقابة الوطنية للصحفيين بتونس نجيبة الحمروني أن المجلس سيعمل على حماية القارئ من التعسف في استعمال حرية التعبير من جهة، ومن جهة ثانية الدفاع عن هذه الأخيرة. وسيتكون المجلس من الصحفيين وممثلين عن المجتمع المدني.

إذن فالمجلس الأعلى للصحافة يحاول تشييد جسور الثقة بين المستهلك والصحفي دون اللجوء إلى المحاكم. المجلس ينطق بالصحافة الجيدة كما تنطق المحكمة بالقانون حسب ناجي، وهو آلية قوية رغم أن قوتها معنوية بالأساس، حيث تعمل مجالس الصحافة على نشر أحكامها في وسائل الإعلام التي ارتكبت الخرق، كي تشكل وسيلة رادعة على المدى البعيد.

أخبرونا عن فعالية مجالس الصحافة في بلادكم عبر التعليق أدناه، وهل استطاعت فعلاً خلق هذه الآلية المتكافئة؟

تحمل الصورة رخصة المشاع الإبداعي على فليكر بواسطة NS Newsflash.