Icfj 的一个项目

واقع الصحافة الثقافية العربية وسبل تعزيزها

Aug 25, 2023 发表在 موضوعات متخصصة
صورة تعبيرية

رغم الأهمية البالغة للصحافة الثقافية في بناء الوعي وتعزيز الإثراء المعرفي للمجتمع على مختلف الأصعدة وليس الأدبية حصرًا، إلا أنها تعاني من شبه إهمال من قبل المؤسسات الصحفية على حساب الفروع السائدة كالسياسة والرياضة والاقتصاد. 

وتهدف الصحافة الثقافية إلى تسليط الضوء على الأحداث والظواهر والتطورات في التخصصات الثقافية المتنوعة مثل الآداب والفنون التشكيلية والسينما والموسيقى وغيرها، معتمدةً على تقديم مقالات تحليلية ومراجعات عميقة وحوارات مع الفنانين والكتّاب وأصحاب الفكر. 

وترتبط جُل التحديات التي تواجه الصحافة الثقافية بما يعاني الإعلام التقليدي ككل وتحديدًا الصحف الورقية، من تراجع وانحسار مقابل الإعلام الرقمي وأدواته، وما رافق ذلك من تغيّر لعادات القراء والجمهور وأدوات الوصول المفضلة لديه كالهواتف المحمولة بديلًا عن الورق. 

ومن العوامل التي أدت إلى انصراف القارئ عن الصحافة الثقافية وانحسارها لصالح الصحافة الإخبارية، أنها بقيت موجهة إلى جمهور من المثقفين والمهتمين بدون تجديد بالمحتوى بما يتناسب مع المستويات المعرفية المتباينة، بالإضافة إلى أنها عانت من القولبة بأشكال النشر والتشابه في الطرح. 

"الإعلام الرقمي يتحمل جزءًا من المسؤولية، والجزء الثاني يقع على عاتق القائمين على الصحافة الثقافية بعدم مجاراتهم مبكرًا للتحولات التقنية الاجتماعية والتكنولوجية المتسارعة"، تعلق الصحفية أنوار هنية المحررة في مؤسسة الثريا للاتصال والتي تصدر عنها مجلة السعادة الاجتماعية الثقافية. 

وتقول هنية لـ"شبكة الصحفيين الدوليين": "بعض الصحف والمواقع الإلكترونية لا تخصص قسمًا أو صفحة ثقافية، وإن فعلت فهي صفحة موسمية ومتباعدة النشر، فضلًا عن أنّ عمل المؤسسات الصحفية ينحسر بالتغطيات المحدودة والمتابعات العامة (..) ونتيجة تلك العوامل مجتمعة كان من الطبيعي أن تغلق أبواب الكثير من المجلات الثقافية أو تقلص أنشطتها". 

وخلال السنوات الأخيرة أعلن عن إغلاق عدد من الإصدارات الثقافية في المنطقة العربية، منها: 

  • مجلة الآداب: صدر عددها الأول مطلع 1953 في لبنان.
  • مجلة دبي الثقافية: بدأت بالصدور عام 2004 وتوقفت مع إقفال "دار الصدى للصحافة والنشر والتوزيع" في إمارة دبي. 
  • مجلة الكواكب المصرية: يعود تاريخ تأسيسها إلى العام 1932. 
  • مجلة الدوحة: أعلنت توقفها عن الصدور اعتباراً من العدد 183 - فبراير 2023. 
  • موقع جهة الشعر: كان يعد أحد أعرق النوافذ الشعرية العربية وأقدمها، والذي قال في رسالته الأخيرة إن "التوقف عن البث كان لأسباب تتعلق بعدم توفر الدعم المالي". 

وترى هنية أن منصات التواصل الاجتماعي أتاحت المجال لكل فرد للتعبير عن آرائه الثقافية ونشر إنتاجاته وقتما شاء وبالشكل الذي يناسبه، من دون أن ينتظر دوره في النشر لأسابيع وأشهر حتى يصدر العدد الجديد ويقرأ اسمه مدونًا على قصيدته. 

وتؤكد أنّ الاستفادة المثلى من التقنيات الحديثة التي قدمها وما زال الإعلام الرقمي ستمنح الصحافة الثقافية زخمًا جديدًا وديمومة وقدرة على تجاوز التحديات المباشرة وغير المباشرة. 

ويمكن تلخيص التحديات التي تواجه الصحافة الثقافية، بالنقاط التالية: 

  1. عادات استهلاك الإعلام: مع انتشار منصات التواصل الاجتماعي، أفرزت الصحافة الرقمية أنماطًا جديدة من الجماهير التي تبحث عن الرسائل الإخبارية السريعة والقصيرة، مما جعل كفة المحتوى الثقافي والتحليلات العميقة تترنح لصالح الأخبار العامة والقصص الخفيفة. 
  1. الأوضاع الاقتصادية: تعاني المجلات والصحف الثقافية من سوء الظروف المادية وزيادة أسعار مستلزمات الطباعة والتوزيع، ومن جانب آخر بات القارئ العربي ينظر إلى المحتوى الثقافي بنظرة "الترف" في ظل تردي أوضاعه المعيشية. 
  1. اللغة والترجمة: يتطلب نقل المحتوى الثقافي عبر اللغات تحديات متعلقة بالترجمة والتفسير، وهو أمر ليس دائمًا سهلًا خاصة عندما يكون هناك مفاهيم ثقافية جديدة ربما تكون مرفوضة من ناحية اجتماعية أو دينية. 
  2. ضغوط الزمن والإنتاجية: يقع على عاتق محرري الشؤون الثقافية إنتاج محتوى بجودة عالية وتقديم تغطية شاملة وتحليل عميق للقضايا الثقافية، الأمر الذي قد لا يتناسب مع النشر اليومي في الصحف غير المتخصصة، سواء من ناحية الزمن المتاح للإعداد أو المساحة المخصصة للنشر. 
  3. السوق الإعلاني: يواجه القائمون على الصحافة الثقافية تحدي ضعف المردود وانسحاب المعلنين نحو الإعلام الرقمي حيث التكلفة الأقل والانتشار الأوسع، مما جعل المحتوى الثقافي يواجه مصيره إما بالإغلاق التام أو تقليص دورية النشر أو التحول إلى الرقمنة

وعلى التحدي الأخير، يعقب الأديب سمير عطية: "علينا أن نُدرك أنّ الإعلام التجاري قد هيمن على كثير من الصحف، والثقافة في الأصل ليست سلعة بل فكر ووجدان ومعرفة". وخلال حديثه لـ"شبكة الصحفيين الدوليين"، ربط عطية الواقع السياسي بالتحديات التي تواجه الصحافة الثقافية، موضحًا أنّ "الصحافة الثقافية هي انعكاس للسلطة السياسية في البلاد، فإن كانت الحرية حاضرة كانت الصفحات الثقافية زاخرة بالقضايا الكبرى والأقلام المتنوعة والمضامين التي ترفع من سويّة الفكر والوعي الحضاري". 

ويتابع عطية "إن كانت الحرية ملاحقة فسيكون أنصارها من المبدعين كذلك، وتصبح صفحات الثقافة تقليداً دوريًّا للنشر أجوفاً من أي تأثير حقيقي مثل حكاية الثعلب والطبل في كتاب كليلة ودمنة، بل وصارت مساحة لأدباء وفنانين وباحثين بلون واحد وفكر واحد ونمط واحد، لتكون مساحة التجديد الخلاق محدودة ومقيدة". 

ويشير عطية ختامًا إلى أنّ عدة مبادرات انطلقت مؤخرًا بهدف تفعيل الحضور الأدبي والهوية الثقافية في الإعلام الرقمي، "أدركت مؤسسات كبرى ووزارات حكومية أن الثقافة قوة ناعمة مؤثرة وانتشارها إلكترونيًّا سيعزز من حضور داعميها، لذلك نشهد حراكاً في هذا المجال غير أنه يتبلور في مساحات معينة وفي اتجاهات متعددة". 

ومن المقترحات التي يمكن العمل عليها لتعزيز حضور المحتوى الثقافي في المشهد الإعلامي، بما يتناسب مع رغبات الجمهور سواء في الإعلام المطبوع أو المرئي أو المسموع فضلًا عن الرقمي، هي: 

  • تأهيل المحررين والكوادر العاملة بغرف الأخبار الرقمية بحيث تكون قادرة على تسخير الفنون الإخبارية في نقل الحياة الثقافية، وتقديم محتوى إبداعي مرن يستطيع الجمهور التفاعل مع مضامينه، بعيدًا عن التعقيد أو السطحية في ذات الوقت. 
  • التجديد في أساليب إخراج الموضوعات الثقافية المطبوعة، بشكل يجذب القراء والمعلنين. 
  • زيادة حيز المساحة المتاحة للمحتوى الثقافي في المواقع والمنصات والمساهمة في تذليل العقبات التي تواجه الصحفي الثقافي وإكسابه الدورات التي ترفع من مستواه المتخصص. 
  • تجاوز الصبغة التقليدية في تقديم المحتوى الثقافي عبر إضافة أدوات وأشكال عرض جديدة مثل البودكاست وحلقات اليوتيوب والانفوجرافيك والقصص الرقمية، مع محاولة الدمج بين المطبوع والرقمي، سعيًا وراء زيادة جاذبية المحتوى. 
  • الاهتمام بالتنوع في عرض الموضوعات الثقافية وتجنب التحيز والانحياز، وعدم الاقتصار على جانب دون آخر، ما بين المحتوى الأدبي والثقافة العلمية والتاريخية والتراثية والمقالات العامة التي تلامس احتياجات الجميع. 
  • إدراج مساقات حول الصحافة الثقافية داخل الجامعات والكليات التعليمية، وإرفادها بالمواد والكتب والمراجع التي تتناسب مع متطلبات العصر الجديد من الإعلام. 

الصورة الرئيسية من انسبلاش بواسطة Glen Noble