تطور تقانات الاتصال وإنعكاساتها على القيَّم الإخبارية -- الجزء الثاني

porijnet_admin
Feb 2, 2009 em صحافة أساسية

القيم الإخبارية في العالمين المتقدم والثالث (مقاربة)

تتباين القيم الإخبارية بين العالمين المتقدم والثالث، بسبب التفاوت في إنتاج المعلومات  وهيمنة وسائل الاتصال الجماهيري في الدول المتقدمة على مصادر المعلومات، الأمر الذي أدى الى توسيع الفجوة الاتصالية بينهما وأصبحت تعرف بـ(اختلال التدفق المعلوماتي).
وتكرس ذلك في إطار التطورات التقنية السريعة التي شهدها مجال الاتصالات وكذلك اختلاف السياسة العامة، فدول العالم المتقدم تؤمن بالرأسمالية فلسفة سياسية واقتصادية، أما دول العالم الثالث فتسعى إلى تنمية مواردها البشرية والاقتصادية والسياسية. وهذا ما ينعكس على طبيعة القيم الإخبارية المتعارف عليها في العمل الإعلامي.

أن وسائل الاتصال الجماهيري في الدول المتقدمة تعامل على أساس كونها مشاريع استثمارية، تمول ذاتياً وتحقق أرباحاً نظراً لما تتمتع به مجتمعاتها من نزوع نحو الاستقلالية في ظل إيقاع الحياة المتسارع فيها.
أما في العالم الثالث فأن إشكالية الهيمنة الغربية والتطورات التكنولوجية في مجال الاتصالات، واختلال التدفق المعلوماتي ساهمت في ظهور المشكلة الاتصالية، نتيجة لسيطرة الحكومة على معظم وسائل الاتصال الجماهيري، وتأطيرها لتعكس الصورة المشرقة لفعالياتها تجاه الجمهور بغية المحافظة على الاستقرار العام.

فنرى العديد من حكومات تلك الدول توفر الدعم المالي للمؤسسات الإعلامية، ولا تنتظر منها تحقيق أرباحاً أو تمول ذاتياً، وبالتالي فأن وسائل الاتصال الجماهيري فيها تستحضر هذه الاعتبارات عند قيامها بأجراء التغطيات الإخبارية.
لقد أدى ازدياد حدة التنافس بين وكالات الأنباء والمحطات الإذاعية والتلفزيونية في العالم المتقدم والتطور التكنولوجي لوسائل الاتصال، فضلا عن توافر بعض التشريعات إلى توافر الحرية النسبية لعمل تلك الوسائل في الحصول على المعلومة ومتابعتها أو بثها ونشرها.
وفي الوقت الذي تركز القيم الإخبارية في الدول المتقدمة على الفورية، الأهمية، المفاجأة، القرب المكاني، الإثارة، الاهتمام الإنساني، الشهرة، الضخامة، الصراع، الجنس، السلبية، الإمتاع، الترفيه، الاستمرارية، الإلهام، التأثير الشخصي.

تركز القيم الإخبارية في دول العالم الثالث على ما يحمله الخبر من مضامين تنموية في مقدمة معايير اختيار وأهمية نشر الأخبار، وكذلك المسؤولية الاجتماعية واستحضار الواقع الثقافي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي في المجتمع لدى القائم بالاتصال عند إعداد رسالته الاتصالية، لتعميق التكامل والشعور الوطني لأبناء المجتمع وخاصة في الدول المستقلة حديثاً. وذلك للحد من الهواجس الأمنية التي تراودها أحيانا، وتثقيف الجمهور بالأمور المتعلقة بالرعاية الصحية والاجتماعية والثقافية التي تهم حياتهم اليومية، أي مدى ما تحمله في مضامينها من منافع شخصية تعود على الجمهور، والإمكانية التقنية لمواجهة النقص الحاصل في التقانات الاتصالية المتطورة، الذي يسهم في اعتماد الدول النامية على المنتجات الإعلامية في الدول المتقدمة.
وبالرغم من التباين الحاصل في القيم الإخبارية السائدة في العالمين المتقدم والثالث، فأن قيم الحداثة والاهتمام الإنساني والقرب المكاني، نجدها صانعة للإخبار وفق المقومات الإعلامية المهنية لبناء الخبر.

بينما تركز تلك القيم في العالم الثالث على التوجه التنموي وأهدافه، فهي إذن قيم وظيفية لتحقيق أغراض التنمية وفقاً لمحددات سياسية واقتصادية واجتماعية، بغض النظر عن مقومات المهنية لاختيار الأخبار، ومراعاة توافر القيم الإخبارية.

خلاصة

يتضح مما تقدم أن القيم الإخبارية ليست أزلية بل أن التحولات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية تسهم في تشكيلها، وعلى سبيل المثال إذا كان الخبر في الدول الغربية يمثل تقرير موضوعي عن حدث ما.

وفي العالم الثالث يمثل الخبر بمضمونه ومصدره وقيمته، وهذا بدوره يتطلب تبني سياسة إعلامية دولية متوازنة لمعالجة الاختلال في التدفق المعلوماتي بين العالمين، بهدف فرض الموضوعية ومعالجة الهيمنة من جانب واحد، وحرية الحصول على المعلومات ونشرها وصولاً إلى إرساء تقاليد إعلامية مواكبة لتلك التحولات ونابعة من تراثها الثقافي والاجتماعي والسياسي.
فالقيم الإخبارية متطورة بتطور تقانات وسائل الاتصال، التي تسهم في بلورة وترسيخ نظرة جديدة لحركة المجتمع الدولي، وما ستشهده معظم دول العالم من تحولات مهمة في مجال التكنولوجيا المعاصرة.

***

المصادر
•    د. عبدالستار جواد، صناعة الأخبار (بغداد: 2000).
•    الاتحاد العام للصحفيين العرب، مستقبل الصحافة العربية في ظل ثورة المعلومات والتكنولوجيا (عمان: 2000).
•    د. محمد منير حجاب، الإعلام والتنمية الشاملة (القاهرة: 2000).
•    د. مجد هاشم الهاشمي، الإعلام الكوني وتكنولوجيا المستقبل (عمان: 2001).
•    د. جان جبران كرم، الإعلام العربي إلى القرن الواحد والعشرين (بيروت: 1999).