من الأردن إلى هارفارد.. وخلاصة خبرات مهمة لكل الصحفيين

parأماني شنينو
24 juil 2018 dans التحقق من المعلومات

في مواجهة تسونامي الأخبار والقصص "الكاذبة والملفقة" والاستخدام المغلوط والمشوه للمعلومات، أنشأت جامعة هارفارد في كلية كيندي برنامجاً في صيف ٢٠١٥ بهدف البحث في مختلف زوايا مواجهة التحديات التي تواجه الإعلام في العصر الرقمي، وثم في أيلول/سبتمبر ٢٠١٦ بدأ البرنامج يتعاون مع مؤسسات وجامعات دولية للتوعية والتعريف، ثم في صيف ٢٠١٨ اختارت جامعة هارفارد لأول مرة ١٦ مدرباً إعلاميا ًمن كل العالم، وكانت روان الضامن، وهي صانعة أفلام ومستشارة إعلامية أردنية، العربية الوحيدة المُختارة، بهدف الاشتراك في برنامج "تدريب المدربين" ثم الاعتماد كمدربة إعلامية من هذا البرنامج في الجامعة. وبالتالي يمكن للجامعة انتدابها في مشاريع مستقبلية في المنطقة العربية.

 

شبكة الصحفيين الدوليين قابلت روان لتخبر عن خلاصة خبراتها في عالم الصحافة، إليكم المقابلة:

 

بداية أخبرينا عن أهم ما يُميزُ رحلتكِ في عالم الصحافة والإعلام حتى وصلتِ إلى هارفارد؟

تعلمتُ كثيراً وما زلتُ أؤمن بالتعلم المستمر، ففي كل تحدّ إعلامي عملي واجهته، كنت أقبل على التغيير والاستكشاف: فقد عملتُ في الأخبار والحوارات والوثائقيات وبرامج المجلات التلفزيونية، وكثير منها متاح على قناتي على يوتيوب.

وأحببت العمل البرامجي لأن البرامج التي يبذل جهد في إنتاجها تعيش طويلا، ولا تموت، ومثال على ذلك سلسلة النكبة التي قدمتها لأول مرة قبل أكثر منذ ١٠ سنوات، وما زالت تعرض وتترجم وتستخدم بشكل واسع على امتداد العالم.

ثم مع موجة الرقمي، دخلت هذا العالم، لدمج عالم التلفزيون مع العالم الرقمي، وأدرت فريقا دوليا من صناع المحتوى والمبرمجين والمصممين عبر مشروع ريمكس فلسطين التفاعلي.

تعلمت كثيراً حول اكتشاف نقاط القوة والضعف في كل الأشخاص وإدارة العمل الإعلامي، خاصة مع تجربة ناجحة في إدارة عشرات المخرجين والمنتجين العرب لإنتاج أكثر من ٢٥٠ حلقة وثائقية عبر برنامجي تحت المجهر وفلسطين تحت المجهر في شبكة الجزيرة الإعلامية من ٢٠٠٨ – ٢٠١٦.

 

كيف ترين صحافة اليوم: هل هي أفضل أم أسوأ من ذي قبل في ظل الإعلام الرقمي الجديد؟

أصبحت التحديات أكثر تعقيداً، مثال واحد سريع على ذلك "واتسآب"، الذي يستخدمه أكثر من مليار شخص، وهو بمثابة "صندوق مغلق" في كل العالم، لا نعرف ما الأخبار والقصص والصور والفيديوهات والرسائل المسموعة التي تتداول فيه، وكيف تنتشر الإشاعات والأخبار المغلوطة بطريقة هائلة، بدون أي ضبط أو تحقق أو تثبت، وتصل إلى الإعلام من أكثر من طريق، ويخطئ كثير من وسائل الإعلام في التعامل معها، فتتحول الإشاعة إلى خبر من الصعب تصحيحه، وبالتالي فإن التحديات والإشكاليات التي تواجه الإعلامي اليوم هي أكبر بكثير مما سبق.

 

برأيك ما هي أهم مهارات الصحافة التي على الصحفي معرفتها والأخذ بها سواء أكانت صحافة مكتوبة أو مسموعة أو مرئية؟

 

شكرا لهذا السؤال الذي يدمج الصحافة المكتوبة مع المسموعة مع المرئية، لأنه فعلا هناك مهارات موحدة في كل قطاعات العمل الإعلامي، مهما اختلفت أشكالها، وهي:

أهم المهارات في الوقت الحالي هو "التفكير النقدي" و"الصدق"، ومن أجل الوصول إلى ذلك يجب أن يكون لدى الصحفي مهارات لغوية عالية في لغتين على الأقل، لغته الأم ولغة ثانية، ومهارات بحثية دقيقة.

"القراءة" وبالتالي كلما قرأ الصحفي في مراحل مبكرة من حياته أكثر، كلما استطاع أن يقدم أكثر عندما يصبح منتجا للمضمون مهما كان نوع المضمون أو وسيلته. فإن كنت متخصصا بالرياضة، فإن قراءتك في العلوم تفيدك، وإن كنت متخصصا في الثقافة، فإن قراءتك في التاريخ تفيدك.

"الاستمرار في تطوير مهارات البحث" لأنها هي التي ستساعد في أن يبقى قويا، مهما تغيرت أشكال الصحافة مستقبلا، وهي في تغير متسارع، أسرع كثيرا مما توقع أي أحد.

 

الصحافة الاستقصائية اليوم باتت من أهم المواضيع التي تهم المواطنين لما تكشفه من خفايا. ما هي نصائحك في هذا المجال للصحفيين؟

الصحافة الاستقصائية، لون من الصحافة، وقد أصبح له وجهان، وجه تحول للأسف لـ "موضة" بدون فهم لعمقه، فأصبح هناك مواد تطلق على نفسها "استقصائيات" وهي فقط تستخدم شكليا فنون الاستقصاء، فنرى الصحفي يتصل هاتفيا ولا يرد عليه أحد، أو يرسل بريدًا الكترونيًا، ويقول لنا إن أحدا لم يرد عليه، وكأنه يريد أن يقنع المشاهد أنه يستقصي، باستخدام الموسيقى "البوليسية الدرامية"، في الإذاعة أو التلفزيون، أو باستخدام كلمات براقة في الصحافة المكتوبة، وينتهي التحقيق بسؤال: "وما زال السؤال للقضية قائما"! وهذا مدهش، فلماذا يشاهد المشاهد نصف ساعة كاملة، أو يقرأ صفحتين أو ما يزيد عن ألف كلمة ثم في النهاية يبقى سؤال التحقيق مفتوحا! وهذا للأسف شوّه الصحافة الاستقصائية المكتوبة والتلفزيونية.

 

وهناك نوع آخر من الصحافة الاستقصائية الحقيقية التي تبحث عن الجوهر فعلا، لتكشف شيئا جديدا. وقد تطورت لتشمل تعاون عشرات المؤسسات الإعلامية كما في تحقيقات "أوراق الجنة" التي توزع العمل فيها لأنه كان عملا هائلا، وأثبت تحقيقا نوعيا فعلا. وقد قدمت في هذا اللون عام ٢٠١٣ استقصائي "ثمن أوسلو" المتوفر بالعربية والإنجليزية والإسبانية والتركية والبوسنية، والذي كشف ما لم يتطرق له أي كتاب رغم عشرات الكتب التي كتبت في الموضوع. وقد دربت في الصحافة الاستقصائية، مع شبكة أريج ونصيحتي للمقبلين على هذا النوع سواء في المكتوب أو الرقمي أو السمعي أو التلفزيوني:

أولا: أن يتقنوا أولا مهارات البحث لأنها الأساس للوصول إلى تجميع المعطيات وتحليلها والمفاضلة بينها.

ثانيا: أن يتحلّوا بالدقة العلمية الكاملة في التعامل مع المعطيات، والدقة في الترتيب والتنظيم لأنها الأساس للغوص في التدقيق.

ثالثا: ألا يذهبوا لإجراء المقابلات مع المرتبطين بفرضية تحقيقهم إلا عندما يكونون مسلحين بكل المعلومات التي تلزمهم لأن المواجهة تفشل إن لم تكن مستعدا بشكل كامل.

رابعا: أن يبتعدوا عن كل "البهار والملح" الذي لا يفيد، فالمشاهد لا يهمه التعب الذي قمت به أنت صانع التحقيق، أو الإشكاليات والتحديات التي واجهتها، ما يهمه ما وصلت إليه، وهل فيه جديد، وهل هذا الجديد مفيد.

خامسا: أن يفكروا في "شكل" تقديم التحقيق من بداية العمل، لأن الشكل النهائي الذي سيخرج فيه سيؤثر على المتلقي، فالتشويق مع الوضوح هو سر النجاح.

 

تظهر كل يوم تطبيقات ومواقع ويب لكشف المعلومات المغلوطة، نظرا لأهميتها ولتطبيق مبدأ المصداقية في الصحافة، أخبرينا من خبرتكِ عن أهم الآليات لكشف المعلومات الخاطئة والتأكد من صحة الأخبار؟

متابعة الجديد منها والاستفادة منه، لأنه ليس هناك طريقًا واحدًا أو آلية محددة لاكتشاف المعلومات والقصص المغلوطة، وإنما هناك طرق متعددة، ولذلك من المهم معرفة الإمكانيات المتاحة في القطاعات المختلفة، سواء في مجال الخرائط والأقمار الصناعية وأشكال الشوارع والمدن، فهناك كم هائل من التطبيقات في هذا المجال والتي يحظى كل منها بنقاط ضعف وقوة، كما أن هناك أدوات تحديد "الوقت" وليس فقط "المكان" وتحليل المواقع الرقمية المختلفة والكشف عن مالكها الأصلي وتتبعه، ووسائل النبش وراء المواقع التي حذفت واستخراج التاريخ السابق لها، هذا عدا الخصوصية الخاصة بكل بلد جغرافي، أو منطقة، أو حتى لغة، لأن الاستخدامات والمنصات متنوعة، ثم هناك مجال جديد وهو عرض المعلومات المغلوطة وكيف يتم، وهل يعطي كشف المعلومة المغلوطة حياة جديدة لها، وكيف تعرض بصريا ومتى تعرض.

وفي كل هذا يعود "التفكير النقدي" و"البحث العميق" ليكون أهم المهارات لمحاولات الكشف، والتي تنجح أحيانا وتفشل أحيانا، أو تنجح أو تفشل بنسبة معينة.

 

ختاما، كيف يمكن للصحفي ترك بصمة مختلفة عن الآخرين والتميز بما يقدمه في ظل كل هذه التكنولوجيا وكمَّ الصحفيين الذين يحيطوننا؟

 

إن الكمَّ الهائل الذي يتعرض له المتلقي من الأخبار والقصص والمحتوى، يجعل التمييز أصعب بين الغث والسمين، ويجعل التحدي أكبر أمام صانع المحتوى الجيد.

أن يهتم بالمحتوى الجيد وهو لم يعد يكفي إنتاجه فقط، بل أصبح تسويقه جزءًا لا يتجزأ من إنتاجه، وإيصاله إلى المهتمين به، لكن العمل الجاد الصادق، يعيش، قد لا يحقق "الاهتمام" أو "الضجة" في وقته، لأسباب متنوعة، لكنه يستمر مفيدا لفترة طويلة.

يمكن للصحفي أن يحقق بصمته من خلال أن يكون واضحاً صادقاً تجاه قصته، بمعنى أن يدرس قصته، سواء الشخصية التي يعمل عنها أو الموضوع أو القضية، وأن يضع نصب عينيه أن يجيب على سؤال: ما هي أصدق طريقة أقدم بها هذا الخبر أو الموضوع أو الشخصية أو الزاوية؟ ولو استطاع العمل تجاه الإجابة على هذا السؤال، وهذا أمر ليس سهلا، فإنه بالتأكيد سيصل إلى المتلقي وسيكون لعمله "أثر"، والأثر انعكاس للبصمة.