تجربة الصحافة البيئية في العراق وإرشادات لإنتاج القصص

porمنار الزبيدي
Dec 3, 2020 en موضوعات متخصصة
صورة

يعتبر العراق من الدول العربية التي تعاني من مشاكل بيئية خطيرة ورغم ذلك لا يزال العمل الصحفي في هذا المجال محدودًا جدًا، كما أن الكثير من وسائل الإعلام تعتبر هذا النوع من المشاكل ثانوية ولا تعيرها أي أهمية.

وبحسب رصد بيت الإعلام العراقي الخاص بالمطبوعات، لا توجد صحيفة أو مجلة متخصصة في البيئة من بين (59) صحيفة و(18) مجلة صادرة في البلاد باستثناء مجلة واحدة تابعة لوزارة الصحة والبيئة وهي "البيئة والحياة"، ولا تلقى اهتمامًا كافيًا.

الصحافة البيئية

تُعرف الصحافة البيئية بحسب الصحفي المختص في القضايا المتعلقة بالبيئة والتغيير المناخي خالد سليمان بأنها التغطية المعرفية لكل ما يتعلق بالجوانب الطبيعية المحيطة بالإنسان من أرض ونبات وحشرات ومياه تؤثر في الإنسان وتتأثر به، وبحسب سليمان فإنّ مواضيع البيئة متعددة ومتنوعة أبرزها التغير المناخي وتلوث الهواء وإدارة مخلفات الحيوانات والتنوع الحيوي والأمراض والصحة والزراعة والإشعاعات النووية والتلوث والمياه والطاقة المتجددة والكوارث الطبيعية والسكان والحياة البرية وغيرها.

صورةالصورة لخالد سليمان أثناء العمل

الصحافة والبيئة

وحول أسباب ضعف العلاقة بين البيئة والصحافة في العراق، ترى الصحفية خلود العامري وهي رئيسة تحرير منصة العراق الإعلامية أن العمل على صناعة المحتوى الإعلامي البيئي المعمق يحتاج إلى تكلفة مالية لإنجازه مثل فحص وتحليل العينات في المختبرات والنقل وإجراء التجارب أو الاستعانة بخبراء وغيرها من التكاليف وقد يحتاج العمل الواحد إلى فريق عمل ثلاثي أو رباعي وعمل قد يستمر لعدة أشهر.

أسباب انحسار الصحافة البيئية في العراق

بحسب العامري فإنّ محدودية التكاليف ليست السبب الوحيد في انحسار الصحافة البيئية في العراق وإنما هناك مجموعة عوامل أبرزها:

-عدم إدراك وسائل الإعلام أهمية هذا النوع من الصحافة بالنسبة لمستقبل الإنسان على الأرض.

-قلة عدد الصحفيين المتخصصين في مجال البيئة.

 -غياب الاهتمام الحكومي وانشغال اغلب وسائل الإعلام بالأحداث الأمنية والسياسية والاجتماعية.

-عدم اهتمام الكثير من المنظمات الدولية المعنية بالإعلام أو القضايا البيئية بتنمية وتطوير الصحافة البيئية.

 وتعتقد العامري أن استخدام الصحافة الاستقصائية لإنتاج مواد الصحافة البيئية هي الطريق الأمثل لتغطية التكلفة المالية اللازمة لإنتاج مواد صحفية رصينة.

تجربة

 قامت العامري بإنتاج مادة صحفية بيئية من خلال تحقيق استقصائي بعنوان "دجلة يهِب البغداديين موتاً بالمياه المسرطنة بنفايات المصانع" لقياس نسبة تلوث نهر دجلة فقامت مع فريقها بأخذ عينات من النهر ابتداءً من دخوله بغداد وحتى خروجه، كما أخذت عينات من تسع محطات رئيسية تزود سكان بغداد بمياه الشرب وعينات لنباتات وكائنات نهرية، وأجرت مقابلات مع الصيادين واستندت إلى دراسات علمية لمعرفة مدى تأثير ذلك على صحة الإنسان والبيئة، استغرق الأمر عدة أشهر  من العمل المستمر.

مواصفات القصة البيئية

تؤكد العامري بأنّ ثمة عناصر قوة يجب أن تتوفر في القصص البيئة أبرزها:

- أن تكون القصة مدفوعة بالمؤشرات والمشاهدات ومن مصادر موثقة.

-أن تكون القصة مؤنسنة لضمان تأثيرها على الجمهور وتفاعلهم وجذب أنظار أصحاب المصلحة.

- أن تكون القصة شاملة وملمة بكل المعلومات ذات الصلة.

- أن تكون مصادر القصة علمية وأكاديمية إضافة إلى المجتمعات المحلية.

-يجب أن تشتمل القصة على الحلول والمعالجات.

-يجب أن تكون القصة ذات بعد عميق في الرصد والتحليل والاستنتاج المختص.

- أن تكون القصة متوازنة المصادر، وبعيدة عن المبالغة الوصفية الأدبية.

- أن تكون صياغة القصة بسيطة وواضحة ومفهومة.

وتؤكد العامري على ضرورة ربط  زاوية القصة أو المشكلة بالمجتمع المحلي واستقراره مثل الأمن الغذائي والأمن المجتمعي.

من جانبه، يشير سليمان إلى أن القصص البيئية تشبه القصص الإنسانية فعندما يتحدث الصحفي عن الأشجار والحشرات والمياه وغيرها فهو يكتب عن حياة كائنات تشبه الإنسان وتؤثر بشكل مباشر على حياته بالتالي فإنّ القصص البيئية يجب أن تأخذ شكل الشراكة الحقيقية بين الإنسان والطبيعة والكائنات الأخرى.

أهمية الوسائط المتعددة

 يؤكد سليمان على ضرورة أن تكون القصة البيئية بشكل خاص مدعومة بالوسائط المتعددة لما لها من تأثير كبير على القارئ بفضل تنوع المحتوى داخل القصة الواحدة.

من هو الصحفي المتخصص؟

يرى سليمان أن الصحفي البيئي هو من يؤمن بمسؤوليته تجاه القضايا البيئية ودوره في رصد المشاكل التي تؤثر على البيئة وتناولها بشكل مهني محاولاً البحث عن الحلول، فلا يكتفي صحفيو البيئة بطرح المشاكل فقط وإنما يجب أن يكونوا جزءًا من الحل من خلال مقترحات الحلول التي تتضمنها قصصهم.

ويشير سليمان إلى عدد من التوصيات التي يجب على الصحفي المختص في مجال البيئة مراعاتها، أهمها:

- أن يكون مسلحاً بالمعرفة العلمية والبيئية.

- أن يكون عارفاً بالنظام البيئي الطبيعي.

-أن يكون مطلعاً على المصادر الطبيعية والتغييرات المناخية وأسبابها الطبيعية التاريخية.

-أن يرتبط بعلاقة وثيقة بالمراكز العلمية والجامعات والعلماء والباحثين.

-  أن يرتبط بعلاقة متينة ومستمرة مع المجتمعات المحلية.

-يجب التركيز على القضية وتجنب الأسلوب الدعائي أو العمل من اجل الحصول على المال فقط.

-يجب أن يكون معتدلاً في مصادره مركزاً على استجابة المجتمع المحلي.

-يجب أن يجدد معلوماته باستمرار من خلال متابعة المواقع العربية والأجنبية المعنية بقضايا البيئة مثل وكالة ناسا والكارديان ونيويورك تايمز والهيأة الحكومية الدولية المعنية بشؤون المناخ ووكالات الأمم المتحدة والاتحاد الأوربي المعنية بالبيئة.

إرشادات لإنتاج القصص

يوجز سليمان أهم الخطوات التي ينبغي على الصحفي القيام بها عندما يقرر إنتاج قصة صحفية حول البيئية أبرزها:

-اختيار الموضوع بدقة وتحديد زاوية العمل بإتقان.

-البحث عن المعلومات الأولية ذات الصلة في جميع المصادر المتاحة.

-جمع ملخص المعلومات الأولية والتحقق منها.

- تحديد المصادر المتاحة.

-القيام بزيارات ميدانية.

-التواصل مع المصادر لتحديد موعد المقابلة مع الحرص على تسجيل كافة المعلومات.

-بعد جمع المعلومات يجب البدء بتنظيمها وإعادة صياغتها.

-توثيق كل ما يمكن بالصور والفيديو.

-البحث عن مشاهد إنسانية لتبدأ بها القصة.

قبل كل ذلك يجب أن تكون هناك منصة إعلامية مستعدة للتعاون مع الصحفي لغرض انجاز القصة ونشرها على موقعها والمواقع الأخرى. 

مبادرة الأمن الكوكبي

وهي احد مشاريع معهد كلكندال للعلاقات الدولية الهادف لمعرفة اثر التغيير المناخي على الأمن الغذائي والاستقرار المجتمعي، واختار المعهد وهو مختص بالدراسات والأبحاث منطقة الشرق الأوسط للعمل عليها،محدداً من خلالها جنوب العراق بسبب ما شهده من صراعات ونزاعات أثرت في حياة الإنسان.

ولذلك أطلق المعهد منحة لإنتاج مواد صحفية تتناول قضايا بيئية مختلفة استهدفت باحثين وصحفيين في العراق، وبعد نجاح التجربة سيبدء المعهد بالورشة الثانية التي ستكون أوسع من ناحية العدد والفئة المستهدفة ونوع المحتوى إذ ستركز الورشة على الصحفيين الناشئين من كلا الجنسين، لإنتاج مقالات تربط الإنسان بالبيئة إضافة إلى رفع الوعي لدى سكان المجتمعات المحلية حول البيئة وأثرها على أمنهم الغذائي واستقرارهم المجتمعي، وكذلك لفت أنظار أصحاب القرار للتعامل جديا مع القضايا البيئية واتخاذ الإجراءات اللازمة لمعالجة المشاكل، وفقاً لما ذكرته الباحثة مها ياسين من معهد كلكندال.

وأنتج المعهد في خطوته الأولى التي استهدفت العراق عددًا من المقالات والتقارير الصحفية المهمة بحسب ياسين.

الصورة الرئيسية بعدسة زمن رزاق من الصفحة الرسمية لإعلام مديرية زراعة كربلاء