إنفجار بيروت: نصائح من قلب الميدان لحدث بحجم هيروشيما

porمحمد مكاوي
Aug 30, 2020 en موضوعات متخصصة
مرفأ بيروت بعد الإنفجار

في تمام السادسة والدقيقة الخامسة كنت في داخل أحد المحال التجارية في منطقة تبعد كيلومترين عن مرفأ بيروت. ولمن لا يعرف بيروت، فهي مدينة صغيرة جداً تمتد على مساحة 19.8 كلومترٍ مربع فقط. بدأ المكان بالاهتزاز قليلاً، حينها حاولت الخروج نحو الباب للاطمئنان واستطلاع ماذا يجري، ثم بدأت موجة الاهتزازات الثانية وكانت أقوى... ظننت وقتها أن زلزالاً يحدث وأنني لن أتمكن من الوصول إلى المدخل الرئيسي، ركضت عائداً نحو منضدة المحاسبة، سحبت كرسياً من تحت طاولة معروضة للبيع، دفعت صديقتي تحتها وارتميت أنا تحت طاولة مواجهة ... ثوانٍ قبل أن تقع الكارثة ويتحطم باب المتجر والتحف المعروضة للبيع فوق رؤوسنا...

رد الفعل الأوّلي الذي قمت به قد حماني من أن أتعرّض للجروح الجسدية، لكن هول المصيبة والصدمة ترك جرحاً عميقاً لا زلت أحاول تضميده والاستمرار. وفي الأسطر التالية، سأحوّل هذه التجربة إلى درس ومجموعة من العِبَر التي استخلصتها من خلال العمل مباشرة في أعمال الإغاثة، والتغطية الإعلامية في آن معاً إضافة إلى مجموعة نصائح وتفسيرات يقدّمها لنا رامي الرحباني، المعالج النفسي المختصّ في الصدمة النفسية وآثار ما بعد الصدمة، كما يحدّثنا حسن شعبان المصوّر الصحفي لدى صحيفة "الدايلي ستار" في بيروت، في مقابلات خاصة أجرتها شبكة الصحفيين الدوليين.

الصدمات النفسية ما بعد الحوادث، أعراضها وأنواعها:

وعن الصدمات النفسية يقول الرحباني: "إنّها تحدث للجميع إنما تختلف آثارها من شخص إلى آخر" فبعض "الأشخاص يتأثرون جسدياً، البعض الآخر نفسياً وقلة يعانون من الأمرين معاً".

أما عن الأشخاص "الذين يعانون من الآلام الجسدية بعد الصدمة فهم في العادة مَن يعانون آلاماً أو حالات صحية مزمنة. فتأتي آثار الصدمة على شكل ذبحة قلبية Tachycardia لمرضى القلب، آلاماً في الظهر لمن يعاني من عموده الفقري أو أي ألم فيزيولوجي آخر"، يضيف الرحباني. وبعض "الأشخاص يصابون بانسداد الشهية وفقدان القدرة على الهضم أو العكس تماماً، فينتقل الشخص إلى حالة من الاستهلاك الزائد للطعام".

                           إقرأوا أيضًا: ‫للصحفيين والمؤسسات الإعلامية المتضررة في بيروت.. 7 جهات للدعم والتمويل

وعن أنواع الصدمات، يقول الرحباني إنّها أربعة أنواع، ما يهمّنا منها إثنين: الأوّل هو حدوث صدمة ناجمة عن حدث ما في زمن معين، والنوع الثاني هو الذي يصيب الصحافيين الميدانيين وهو النوع الناتج عن تكرار الصدمات القوية (تفجيرات، حروب، أعمال إرهابية...)

ويشير إلى أنّ الصحافيين في العالم العربي بشكل عامّ هم الأكثر تأثراً لأنهم معتادون على حالة الإنكار للصدمة Denial، إلا أنّ الآثار ستظهر من تكرار الصدمات على شكل انهيار نفسي، سببه المباشر عدم التفريغ العاطفي النفسي.

شهادات ونصيحة من عاش اللحظات الأولى من قلب التفجير:

وفي تأكيد لهذا البيان، أجرت شبكة الصحفيين الدوليين مقابلة مع المصوّر الصحفي لدى صحيفة "دايلي ستار" في بيروت حسن شعبان، وهو من الأشخاص الميدانيين الذين عاصروا أكثر من ٢٥ حدثاً مشابهاً على امتداد عشر سنوات في لبنان.

حسن شعبان الصورة لحسن شعبان بعدسة مروان طحطح

ويؤكد لنا حسن أنّ "رد الفعل الأوّلي بعد هول الصدمة بالنسبة لديه هو الأرق"، إذ لم يستطع النوم مباشرة بعد حادث التفجير أكثر من ساعة خلال الأيام الثلاثة الأولى. وبالنسبة له هناك عوامل عدة تساهم في هذه الحالة وهي "الدمار الشامل الواقع في منطقة التفجير، ارتدادات الصوت إذ أنّ مكتب الوكالة لا يبعد إلا أمتاراً قليلة عن المرفأ (موقع التفجير)، والمبنى الواقع به قد تعرّض لتدمير شبه كامل". ويردف شعبان: "إضافة إلى الصدمة المباشرة، لديك أيضاً واجباتك وعملك الذي يبلغ ذروته خصوصاً مع اتساع رقعة التغطية لتشمل كلّ المدينة" وبالتالي "فإنّ هذا الأمر يزيد من الضغط النفسي وحجم الألم الناتج عنه".

                                           إقرأوا أيضًا:‫ 9 صور وفيديوهات "فايك" عن إنفجار بيروت.. وأدوات للتحقق

نصيحة شعبان:

يقول شعبان إنّ "الاستجابة السريعة الأوّلية هي ارتداء أدوات الحماية الشخصية، وهذا يعتمد على مكان تواجد الصحافي أو المصوّر". فعند الخروج للتصوير أو التغطية "في مكان التفجير، لا نعلم ما هي الظروف المحيطة لذا من الأهمية الاستعداد مباشرة لأي خطر محتمل".

نصائح لمواجهة الصدمة النفسية:

"يجب على المؤسسات الإعلامية مواكبة فرق العمل لديها بالدعم النفسي المستمرّ" يقول الرحباني؛ ويجب القيام بعملية "الدعم مرة في الأسبوع على الأقلّ" أي تفريغ كل المشاهد والصدمات التي يعاني منها الصحافي عند مختصّ" وهذه "المرحلة الأولى فقط".

"قد لا تظهر عوارض الصدمة على الصحافيّ لحدّ شهرين من بعد الحدث" يرفد الرحباني. "وفي هذه الفترة يبحث الطب النفسي عن Post Traumatic Syndrome Disease أو أمراض وعوارض ما بعد الصدمة النفسية، ودرئا للوصول اليها، على الصحافي تعلّم عملية التفريغ العاطفي. كيف نفعل ذلك؟ يجيب الخبير: "يجلس الصحافي مع نفسه وببساطة يتكلّم عن ماذا رآه ومن أثّر به، عليه أن يتعرف وبالأفكار والاحاسيس: كأن يتذكر مشهداً ما ويروي بالكامل ماذا شعر في لحظتها".

التعبئة بعد التفريغ: من الضروري جداً على الصحافي أن يقوم بعملية تعبئة وراحة بعد عملية التفريغ". ويتم هذا الامر "من خلال القراءة، المشي، الاستماع إلى الموسيقى، مشاهدة فيلم، أو أيّ عمل من شأنه إعادة شحن الطاقة الإيجابية التي من شأنها أن تحقق التوازن ما بين هول الأمور السلبية التي سيراها أو يعيشها وبين الإيجابية.

في نهاية الحديث يشدد السيد الرحباني على أنّ "كلّ شخص مختلف عن الآخر ولا يجوز المقارنة أبداً، فالعوارض التي قد تبدو متقاربة وما يحدث مع زميل لكم وكيف يعالجه قد يختلف في حالتكم الشخصية، وكل إنسان لديه سعة معينة " محذراً الصحافيين من تجاهل التفريغ العاطفي ما يؤدي إلى الإرهاق المهني الزائد، أي القيام بما يقدر عليه فقط دون تحميل الذات أي مشقة إضافية من شأنها أن تودي بالصحافي إلى أزمة نفسية مزمنة.

الصورة الرئيسية بعدسة محمد مكاوي