يتّفق الإعلاميون المصريون على انعدام جدوى وضع ميثاق شرف موحّد على الرغم من الخروقات الحاصلة

porghada sabry
May 8, 2013 en أساسيات الصحافة

أعلنت هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" وقف إذاعة إحدى حلقات برنامجها "بانوراما"، وإيقاف أحد منتجي البرنامج عن العمل بعد اتهامه بعرض رشوة على أحد الأشخاص مقابل إفصاحه عن معلومات لصالح البرنامج.

حيث أن المنتج أرسل بريداً إلكترونياً لأحد مستشاري الأمن في شركة إنشاءات، واقترح عليه إمكانية أن توفّر "بي بي سي" عملًا له مقابل إفصاحه عن معلومات للبرنامج.

وتنصّ سياسة "بي بي سي" التحريرية على عدم التسامح إطلاقًا مع مسائل الرشوة، والتدقيق على التعامل بشفافية ونزاهة فيما يختص بالمسائل المالية.

أكّد أحد العاملين في "بي بي سي" - رفض ذكر اسمه - أن "بي بي سي" تلتزم بقوانين صارمة، وذلك لأنها تحترم جمهورها، فهي لا تهتم بسرعة نقل الأخبار والمعلومات بقدر ما تهتم بمصداقية الخبر قبل نقله. ويقول عن سياسة الحصول على المعلومات "إن الحصول على الأخبار والمعلومات في المحطة من خلال المصادر هو أمر يستدعي توخي الدقة، فينبغي الاطلاع على أكثر من مصدر ليسوا على علم ببعضهم البعض للتأكّد من صحّة الخبر."

وروى واقعة حدثت منذ عام وهي أن المحطة نقلت أخبارًا خاطئة، فقام مدير البرنامج الإخباري باستضافة مدير القناة، وسأله عن رد فعله إزاء ما حدث. فأجاب بأنه لا يعلم شيئاً عن تلك الواقعة، فطالبه مدير البرنامج الإخباري بتقديم استقالته لعدم درايته بما يحدث داخل المؤسسة وهو ما فعله على الهواء على الفور."

وفي سؤالنا عن رأيه في إمكانية خلق ميثاق شرف موحّد لتتبعه كافة المؤسسات الإعلامية، أكّد أنه لا يؤيّد فكرة وجود ميثاق شرف موحّد لأن الـ"بي بي سي" لديها ميثاق الشرف الخاص بها، والذي تعمل به ولا تحتاج لمواثيق أخرى تغيّر من سياستها.

الأمر مختلف بالنسبة لهالة فهمي الإعلامية في اتحاد الإذاعة والتلفزيون المصري (ماسبيرو) حيث ترى أنه لا يوجد أي قوانين أو مواثيق شرف في ماسبيرو. وتقول "لا يوجد ميثاق شرف بماسبيرو، العاملون والمسؤولون يحاولون إظهار ذلك أمام الجمهور، ولكنهم خلف الشاشة يمارسون جميع الممارسات غير المهنية في نقل المعلومة للجمهور."

حيث كشفت فهمي أن ماسبيرو هو أكثر الأماكن انتهاكاً للمهنية ومواثيق الشرف الإعلامية، وأكّدت أن مصداقية الخبر ليست من الأمور الهامّة داخل ماسبيرو. وأضافت "إن قارئ النشرة ليس من حقه التدخّل في تحرير الخبر الذي يقرأه، كما أن هناك مسؤولين يتدخلون في تحرير الأخبار أيضاً والاطلاع على أسماء المصادر قبل استضافتهم، فهناك قيود كبيرة على العاملين بماسبيرو من قبل المسؤولين". وأضافت أنّ ذلك يعود لعدم وجود قوانين وسياسات موحّدة وصارمة داخل المؤسسة لتنظّم طبيعة العمل من جهة ولتوزّع الأدوار على كلٍ من فريق العمل من مسؤولين ومعدّين ومذيعين، كما أشارت أنّه "لا يوجد فريق عمل داخل المؤسسة".

وترى فهمي أن مواثيق الشرف لن تغيّر ساكناً بسبب عدم تطبيقها بشكل عملي، لأنها تظل محفوظة في مكاتب المسؤولين فقط، وذلك لأن المهنية أصبحت منعدمة في الوقت الحالي وكل محطة تعتمد بشكل كلي على مموّليها على حد قولها.

يقول محمد القاضي المُعدّ في إحدى القنوات الفضائية الإخبارية أنه لا يوجد ميثاق شرف أو سياسة معيّنة حدّدتها القناة للتعامل مع المصادر أو دفع الأموال لهم، ويضيف "كل المصادر تتقاضى أموالًا من القناة، عدد قليل جدًا هم الذين لا يتقاضون أي بدل". وأضاف القاضي أن هناك بعض المصادر التي تفرضها الأحداث على الإعلام، وبالتالي تسعى المحطة للتصوير معها وإجراء المقابلات كباقي المحطات.

وضرب مثلاً قضية "حمادة صابر" أو "حمادة المسحول" كما أُطلق عليه إعلامياً وهو المواطن الذي جرّدته قوات الأمن المصرية من ملابسه في أحد التظاهرات في مصر. حيث شرح القاضي كيف أن "حمادة" كان يزايد بين القنوات حتى يوافق على التصوير معها، مؤكداً أن المحطة رضخت في النهاية ودفعت له ما طلبه من أموال حتى تغطي الحدث كباقي القنوات المنافسة.

وعن وجود ميثاق شرف موحّد بين جميع المؤسسات الإعلامية ، أكّد أن الأمر صعب لأن السياسة المتّبعة الآن من دفع أموال للمصادر موجودة منذ فترة وليس من السهل تغييرها والالتزام بجديد. وتساءل "هل من الممكن أن توافق المصادر على الظهور دون تقاضي الأموال؟ لا أعتقد ذلك!".

يقول محمد فتحي منتج بحث وتطوير بمجموعة قنوات (الحياة) وكاتب صحفي وأكاديمي، "يجب على كل القنوات الإعلامية المحترمة والمهنيّة أن تحظى بميثاق شرف خاص بها لتتبعه بالإضافة إلى (style book) الذي يحدّد طريقة مقاربتها للخبر والممارسة الصحفيّة، سواء كان ذلك مكتوباً أم يتم الاتفاق عليه من البداية".

وأضاف قائلاً: "قناة (الحياة) المصرية تحاول أن تتبع دائماً أقصى درجات المهنية فيما يتعلق ببرامجها، لا سيّما ذات الطابع الإخباري منها، ولعل ذلك هو ما جعل برنامجها الرئيس الحياة اليوم هو الأكثر مشاهدة على مستوى الفضائيات المصرية في أكثر من دراسة مصرية وعربية، ومن أهم ما جعله في هذه المرتبة (مصداقيته) وهي ما يتم الاعتماد عليه من خلال قواعد مهنية تؤسس على ميثاق الشرف". وعن سياسة دفع الأموال للمصادر فأكّد "أن قناة الحياة لا تدفع أموالاً للمصادر، أياً كانت هذه المصادر."

وشدّد فتحي على أن الالتزام بميثاق الشرف لا يقلل أبداً من ترتيب المحطة بل يزيدها احتراماً عند المصادر. أضاف فتحي بالقول "لدينا مثلاً قواعد تتعلق بعدم استضافة تيار واحد وإنما جميع التيارات للتعقيب على خبر يخصها، ولدينا مبدأ يقول أن المذيع يجب أن يكون محايداً لا يظهر رأيه في القضية التي يثيرها، ويكون أشبه بالنادل الذي يقدّم (المنيو) أو قائمة الطعام للمشاهدين ليختاروا منها ما يشاؤون، وهكذا يكتفي بعرض الخبر من خلال أطرافه ومصادره المختلفة ويترك للناس القرار."

"معلوماتي أن القناة استغنت في فترة من الفترات عن أحد أفراد طاقمها لانتهاكه لقواعد المهنية وميثاق الشرف لكننا لم نعلن عن ذلك، وأعتقد أن التصويب الذاتي أهم بكثير من وقوع كوارث."

وقال فتحي أن ميثاق الشرف يظل في النهاية فكرة تتعلّق بالمهنية، وطالما أن كل القنوات لا تلتزم بهذه المهنيّة فلا أتصوّر فكرة الميثاق الموحّد ستكون ذات جدوى لا سيما في حالة الاستقطاب التي نحياها الآن.

على النقيض تماماً أكّد أحمد فضل مراسل في شبكة تلفزيون "النهار" المصرية أنه لا يوجد قوانين وميثاق شرف محدّد في القناة، وعند حصوله على معلومات وأخبار عاجلة أثناء تغطية حدث ما فإنه ينقلها للقناة حتى لو لم يتأكّد من صحتها بشكلٍ كامل، ولكنه أوضح أنه إذا كان الخبر سيحدث رد فعل شعبي فعليه التأكّد من صحته قبل إذاعته.

واتفق فضل مع زملائه على أنه لا يوجد أي قناة تلتزم بمواثيق الشرف، وإن هذه المواثيق على الورق فقط.

الصورة من تصميم غادة صبري.