"صحافة البيانات" الحلقة المفقودة في سلسلة الإعلام المغربي

porسفيان سعودي
Feb 3, 2018 en صحافة البيانات

"صحافة البيانات" أو كما يفضل البعض تسميتها بالصحافة المدفوعة بالبيانات "JournalismData Driven"، منذ ظهورها وهي تعرف وتيرة متزايدة في استخداماتها بغرف الأخبار العالمية، وبات هذا المصطلح بالذات يستخدم بديلا عن مصطلح التقارير القائمة على الحاسوب (CAR)، الذي ظل يستخدم منذ الستينيات من القرن العشرين قبل أن يتم تطوير هذا المفهوم. لتكون The Guardian أول مؤسسة إخبارية كبرى تتبنى هذا المصطلح الجديد نسبيا في مشروعها الشهير Datablog الذي أطلق في آذار/مارس عام 2009.

ويمكن تعريف صحافة البيانات بكونها تعني إعداد القصص الصحفية عن طريق توظيف مجموعات كبيرة من البيانات باستخدام أدوات البحث والترميز والإحصاءات والرسوم البيانية، لاستخراج المعلومات والأرقام من بين طيات قواعد البيانات المختلفة. أي أنها تحوًل كمًا كبيرًا من المعلومات التي لا تكون واضحة إلى قصص صحفية سهلة الفهم لدى القارئ، ولا تقتصر على النص فقط بل تعرض غالبا في تصور بصري جذاب في تعاون بين الصحفيين والمطورين والمصممين. وهو تعريف قريب من التعريف الذي وضعه "سايمون روجرز" محرر البيانات بشركة غوغل في كتابه Facts are Sacred والذي اعتبر صحافة البيانات بأنها نوع صحفي قائم على مجموعة من الممارسات توظف قواعد البيانات والأدوات التحليلية المطورة خصيصا لتساعد الصحفيين على تقديم القصة الصحفية في أفضل صورة ممكنة.

وبالرغم من التطور الكبير والإنتشار الواسع الذي عرفته صحافة البيانات في السنوات الأخيرة في الساحة العالمية والعربية، يظل هذا النوع شبه مختف من التداول في الإعلام المغربي ولا يرقى لمستوى التطلعات، إذ قلما نسمع عن مؤسسة إعلامية مغربية تستثمر في صحافة البيانات سواء كمواد صالحة لقصص صحفية أو كتدريبات للإعلاميين.

ويمكن إرجاع أسباب هذا النقص إلى عوامل رئيسية هي كالتالي:

التعليم والتدريب الصحفي في المغرب يغيب صحافة البيانات في اتصال مع عدة طلبة من خريجي المعهد العالي للصحافة، فقد أكدوا جميعهم أنهم لم يتلقوا طيلة مدة دراستهم بالمعهد أي دروس تتعلق بصحافة البيانات بل اقتصر تعليمهم على الأنواع الصحفية التفليدية كالكتابة الصحفية والمجال السمعي البصري، بدون تعمق في الأنواع الحديثة كصحافة البيانات وهذا يبدو واضحا من خلال مواد التكوين المدرجة في الموقع.

وحتى مع توفر العشرات من التدريبات الإعلامية التي تقدمها مؤسسات إعلامية وجمعيات المجتمع المدني بشكل دوري يبقى مجال صحافة البيانات قليلا ومغيبا بشكل كبير في المغرب، خصوصا وأن مؤسسات المجتمع المدني والتي سيطرت على التدريب الإعلامي بالمغرب غالبا ما توفر التدريبات، وفقا لاحتياجاتها الخاصة وليس لمتطلبات التطور الإعلامي. لذلك نجدها كثيرا ما تركز على تقديم تدريبات في إنتاج مواد إعلامية بسيطة والتي لا تحتاج لمعارف كبيرة وعميقة لتغطية مواضيع الحاجيات المجتمعية وحقوق الإنسان والنوع الاجتماعي.

أما بالنسبة للتدريبات الأخرى المنظمة من قبل مؤسسات إعلامية متخصصة قد تكون أكثر تطورا فنجدها تركز مثلا على الأمن الرقمي وصحافة الموبايل وتبقى صحافة البيانات النوع الأقل حظًا في برمجة هذه المؤسسات. ولعلّ أهم مؤسسة تهتم بهذا المجال هي جامعة مونديابوليس عبر مركزها البحثي المتعلق بتكنولوجيا المعلومات والاتصالات لأغراض التنمية ICT4Dev التي تعمل على مشاريع متعلقة بتجميع وتحليل البيانات، والذي سبق وقدمت تدريبا بشراكة المركز الدولي للصحفيين حول هذا الموضوع قبل سنتين تقريبا، ورغم ذلك لا يمكن اعتبار هذا التدريب أو غيره كافيا لتبقى الحاجة للتعلم والتدريب قائمة وأكثر إلحاحًا مع تسارع المعلومات والأخبار

الإستثمار في الإعلام في المغرب يطمح للربح المادي أكثر من التطوير

قد لا يختلف إثنان من متابعي المشهد الإعلامي بالمغرب أن أغلب المستثمرين والفاعلين في صناعة المشهد الإعلامي المغربي خصوصا الرقمي منه يطمحون للربح المادي أكثر من تطوير الإعلام، وهذه النقطة قد يفسرها الصراع القائم حول عدد الزوار والنقرات وما يتبعه من سقوط في الإسفاف، إذ يبقى الصحفي مطالبا بجذب أكبر عدد الزوار أكثر من مطالبته بالإبداع.

كما أن عامل الوقت وارتفاع تكلفة الإستثمار المالي في هذا النوع من الصحافة خصوصا وأنها تحتاج لمقومات عديدة تتمثل في توفر مبرمج يتقن العمل على برمجيات خاصة يمكن استخدامها لتحليل وعرض كم كثيف من البيانات مع وجود مصمم مبدع في عمل تصميمات جذابة، هذه المقومات جعلت أغلب المؤسسات الصحفية بالمغرب تفضل عدم المجازفة في الإنفاق المالي وتكتفي في نقل معلوماتها التي تحتاج إلى مجهود في فرز البيانات في أغلب الأحوال من مصادر غربية.

وفي ظل النقص الحاد في الوسائل التعليمية على أرض الواقع يبقى التعلم الذاتي عبر الموارد المتوفرة على الإنترنت أو الكتب التي تم إنتاجها في هذا الباب الوسيلة التعليمية الأنجع لتدارك هذا الأمر، لذلك قمنا بتجميع بعض الموارد التي قد تساعد الصحفيين المغاربة المهتمين بالخصوص والعرب عامة المهتمين في التعلم وإنتاج مواد باستخدام صحافة البيانات وهي كالتالي:

شبكة صحفيي البيانات دليلك لتعلم واستكشاف كل ما هو متعلق بعالم صحافة البيانات من المواد التعليمية والمقالات التي تشرح أهمية هذا النوع من الصحاقة وأخبار فرص الدورات التدريبية والمؤتمرات المتوفرة في هذا الصدد.

فيديوهات عمرو العراقي حول صحافة البيانات على موقع شبكة الصحفيين الدوليين، إن كانت قد فاتتكم متابعة حلقات عمرو العراقي فهذه هي الفرصة لمشاهدتها، فقد تناول فيها عدة نقاط مهمة متعلقة بصحافة البيانات انطلاقا من تاريخها وصولا لكيفية إنجاز قصص صحفية باستخدام البيانات مرورا على أدوات التصميم وغيرها من الدروس.

كتيب صحافة البيانات والذي يمكن اعتباره البداية الأولى للمهتمين باكتساب مهارات جديدة أو تحسين القديمة في عالم صحافة البيانات.

دليل الجزيرة لتعلم صحافة البيانات، كتاب من 328 صفحة جاء لتعليم الصحفيين كيفية استخراج الأرقام والمعلومات في الإنترنت حسب ما جاء في عنوانه، ويضم هذا الكتاب العديد من القصص الخبرية الشهيرة، التي كانت نتاجا للعمل على البيانات.

صحافة البيانات كتاب آخر من إبداع عمرو العراقي الذي قال فيه عن أهمية صحافة البيانات ما يلي "في جسد الصحافة فإن صحافة البيانات هي اليد التي تنقب عن الأرقام وتجمعها من مصادرها المختلفة ولا تقدم الأرقام في شكلها البدائي الذي قد لا يتمكن القارئ من استكشاف العلاقة بين الأرقام، ولكنها تصيغها في صورة بصرية تجعلها أقرب إلى الشكل الفني والذي بدوره يجذب القارئ الذي بات عازفًا عن الإطلاع على الشكل التقليدي للصحف الورقية وأصبح يبحث عن المعلومة السريعة الدقيقة في ظل الطبيعة السريعة لهذا العصر، فصحافة البيانات يمكن أن تمثل نموذجًا جديدًا للعمل الصحفي."

الصورة حاصلة على رخصة المشاع الابداعي على فليكر بواسطة Medialab Katowice .