مواقع زراعة المحتوى تهدد عمل الصحافة المحترفة

byإسماعيل عزام
Jun 18, 2016 in الصحافة الرقمية

كم مرة يكتب فيها أحدنا عبارة ما في محركات البحث للتنقيب أكثر عن موضوع يهمّه، لكنه يفاجأ بأن بعض المواد التي تدّعي الإجابة عمّا يبحث عنه لا تحمل من الموضوع غير عنوانه.

ضعف جودة المواد وعدم دقة معلوماتها هي أكبر سمات ما بات يعرف منذ سنوات بـ"مزارع المحتوى"، وهي مواقع توّظف عددًا من الكتاب، يتم تعويضهم في الغالب للمادة الواحدة أو بمدى جلبهم للزيارات. وتهدف إلى ملء محرّكات البحث بروابط مواد يبحث عنها المستخدمون، وذلك لأجل الربح من عائدات الإشهار وضمان مراتب متقدمة في خارطة المواقع العالمية.

 

محتوى رديء باعتراف صنّاعه

روابط كثيرة من مقالات صحفية وتدوينات تنتشر على شبكة الإنترنت، تتضمن الجزء القليل من المعلومات، وكثيراً ما تكون هذه المعلومات غير موثوقة أو غير دقيقة، ممّا يضيّع وقت المستخدم ويخلق لديه في بعض الأحيان الإستياء من بعض المواقع التي لم يجد فيها مبتغاه.

يعترف بعض الكتاب في هذه المزارع بأن ما كانوا يكتبونه "مجرّد هراء لجلب الزوار"، كما قالته هذه الكاتبة في حوارها مع موقع منظمة (media shift).

تحاول محرّكات البحث محاربة مزارع المحتوى لما تمثله من خطر، وأعلن جوجل عام 2011 عن تطوير خوارزميات تحدّد هذه المواقع، بالتالي تبعدها عن قوائم البحث في الصفحات الأولى. غير أن هذه الاستراتيجية لا تنفع كثيرًا في ضعضعة هذه المواقع التي تعود لصنع محتوى جديد، لا بل تنتج مئات المواد يوميًا، كما تركز عشرات المواد على موضوع واحد بحسب التوجهات التي تحظى بشعبية أكبر.

ورغم أن المنطقة العربية لم تشهد نماذج عربية واضحة لمواقع زراعة المحتوى كما هو موجود مثلًا في المواقع الإنجليزية كـ answers.com و articlesbase.com وehow.com، إلّا أن الملاحظ المتتبع لعدد من المواقع الإلكترونية الإخبارية، يجد أنها باتت تستخدم، سواء عن قصد أو غير قصد، تقنية مزارع المحتوى، فهي تعج بمواد تعلن من خلال العنوان الحديث عن ظاهرة معيّنة، إلّا أنه بعد النقر تجد المادة لا تحتوي سوى على بضعة جمل دون ذكر أي مصادر ودون الإهتمام بشروط الكتابة.

ويمكن القول إن السلبية الأكبر التي تكمن في مزارع المحتوى هي تقديم معلومات خاطئة للقارئ، وللأسف فهذه المعلومة الخاطئة أو غير الدقيقة تنتقل إلى مجموعة من المواقع الإخبارية.

إذ يلاحظ أن بعض هذه المواقع أصبحت تعتمد الطريقة نفسها في الكتابة، وهي بنشر مواد مع معرفتها المسبقة بأنها تعج بالمعلومات الخائطة، ومن ضمنها المواد التي تقدم نصائح سريعة في عالم الترفيه.

الظاهرة تتفشى حتى في المواقع الإخبارية

والطريقة الثانية التي انتقلت بها سلبيات مزارع المحتوى إلى المواقع الإخبارية هي أن يعمد المحرر دون قصد إلى البحث في الانترنت عن معلومات، فيسقط في مواقع زراعة المحتوى، ويعمد إلى الاستشهاد بها في قصصه، دون أن يدري أنها مصادر غير موثوقة أبدًا، ومن ذلك اعتماد مواقع عديدة على خبر حول خصائص جديدة في نظام التشغيل "أي أو إس" من مزرعة محتوى، تبيّن في النهاية أن الخبر إشاعة.

ترى دراسة من جامعة أمستردام، أنجزها بييت باكر، أن كثرة المهام الملقاة على عاتق الصحفي العامل في المجال الرقمي، من البحث عن الأخبار وإدراج القصص والبحث عن المواضيع الأكثر جلبًا للانتباه والتنقيب في الشبكات الاجتماعية والبقاء ضمن خارطة المواقع الأكثر زيارة، صارت تدفع بالكثير من المؤسسات الصحفية إلى الزيادة في معدل إنتاج المواد واقتباس تقنيات زراعة المحتوى، وطبعًا تؤثر هذه الزيادة على جودة المواد.

وتذهب الدراسة إلى أن بعض هذه المؤسسات صارت تجنح نحو نشر مساهمات المدونين بشكل مجاني لزيادة عدد روابطها، كما صارت مؤسسات أخرى تعتمد على النشر عن طريق RSS من مصادر أخرى بشكل أوتوماتيكي دون إعادة تحريرها أو تدقيقها، فيما تختار أخرى تغيير عادات طاقمها لمواكبة النشر السريع.

هل تهدد تقنية زراعة المحتوى العمل الصحفي؟

وعلاوة على الضرر على المعلومة في حد ذاتها، فإن تقنيات زراعة المحتوى تهدد وجود الصحفي، فهناك نزع نحو تقليل الطاقم والاعتماد على عناصر صحفية قليلة تستطيع إنجاز أكبر قدر من المواد، دون نسيان تأثير ذلك على أجناس الكتابة الصحفية، فالسرعة في الإنجاز تجعل القصص منحصرة بالأخبار القصيرة، بينما تغيب أكثر فأكثر التقارير المعمقة أو التقارير الميدانية.

ويزداد خطر مواقع زراعة المحتوى على الصحافة مع التسابق المحموم في مواقع التواصل الاجتماعي على جلب الزوار. فمع ضرورة النشر المستمر على صفحات فيس بوك وتويتر لتجنب تراجع عدد المتابعين، ومع عدم توّفر الأخبار بشكل دائم، يجنح بعض المحرّرين إلى إنجاز مواد سريعة لا تتوّفر لديهم دراية عنها دون الاستشهاد بأي مصدر، ممّا يفاجئ القارئ بمواد لا تقدم له أي إضافة.

تحمل الصورة رخصة المشاع الإبداعي على موقع فليكر، بواسطة كريس بيكيت.