حان الوقت لتبحث عن مُوجّه صحفي!

بواسطة أمل مكي
Jun 15, 2022 في موضوعات متخصصة
صورة

كنتُ محظوظة خلال سنواتي الأولى في العمل الصحفي. فعلى الرّغم من المردود المالي الضعيف، والسياق السياسي والاجتماعي الصّعب في تونس آنذاك، كنت أحظى بوجود مُوجّه هوّن عليّ الكثير من الصّعاب. لقد بدأتُ بالكتابة الصحفية وأنا في سنّ السابعة عشر. كنتُ مراسلة بالقطعة لمجلّة شمس الجنوب. ولم يكن مُرشدي غير رئيس تحرير المجلّة ومؤسّسها الأستاذ الراحل علي البقلوطي. 

بين العامين 2007 و2011، واصلت الكتابة باستمرار للمجلّة، سواء من الحامّة مدينتي الجنوبية، أو من العاصمة تونس حيثُ زاولت تعليمي الجامعي، أو من بكين - الصّين التي عشت فيها 6 أشهر. 

طوال تلك السنوات، كان الأستاذ علي البقلوطي أكثر من رئيس تحرير. هو "عميد الصحافة الجهوية" في تونس، شاركني عُصارة حكمته، أغدق عليّ بالنّصح ورافقني في تجربتي المبتدئة خطوة بخطوة. 

ما هو الإرشاد الصحفي؟

يعدّ الإرشاد (ويُترجم أحيانًا إلى التوجيه، من العبارة الإنجليزية Mentoring) ركيزةً أساسية من ركائز دعم التطوّر المهني للصحفيين/ات خاصّة منهم الذّين يعملون بشكل مستقلّ. وهو كذلك مفيد لغرف الأخبار الناشئة والصغيرة وحتى الأكثر خبرة وتطوّرًا. يحظى المستفيد من الإرشاد بتوجيه صحفي أو محرّر أكثر منه معارف وخبرة. ينعكس تأثير الإرشاد على الموادّ المنتجة وعلى شبكة المصادر والعلاقات وعلى سرعة الإلمام بمهارات العمل الصحفي ومتطلّباته.

قد يكون الإرشاد مؤقّتا ومرتبطًا بمادّة معيّنة أو حدث معيّن، وقد يستمرّ في الزمن. 

في الإرشاد المؤقّت، تحظى عادة بموجّه يوجّهك خلال عملك على قصّة صحفية ما. أمّا الإرشاد المستمرّ فيكون لأيام أو أسابيع أو حتى سنوات. ويرافقك الموجّه خلاله في أغلب الموادّ التي تشتغل عليها، كما يقدّم لك النّصح متى اعترضتك مشكلة أو واجهك تحدّ مثل صعوبة الوصول إلى مصدر ما أو تعذّر التواصل مع مؤسسة نشر أو صعوبة التوفيق بين مشروعين جارِيين، أو حتى تأثير مشاكلك الشخصية على أدائك المهني.

فيما يلي قائمة، غير حصرية، بالطرق التي يمكن للمُرشد أن يضيف بها قيمة لعملك الصحفي: 

  • نصائح متعلقة بالبحث الصحفي،
  • تحديد المصادر،
  • منهجية إجراء المقابلات،
  • ضمان عدم تشتّت زاوية القصّة،
  • تقديم منظور جديد للقصة،
  • تقديم دافع لمواصلة العمل رغم العقبات الممكنة،
  • توسيع شبكة العلاقات.

في حديث لشبكة الصحفيين الدوليين، يقول عائد عميرة وهو صحفي تونسي متخصّص في الشؤون المغاربية ويعمل حاليًا لدى موقع نون بوست إنّه استفاد كثيرا ممّا درسه خلال 5 سنوات في معهد الصحافة وعلوم الإخبار في اختصاص الإعلام والاتصال السياسي، فقد كان "فضل أساتذة المعهد كبيرًا". ويشير إلى أنّه استفاد أيضًا من الدورات التدريبية التي شارك فيها سواء في تونس أو خارجها، إذ كان لها دور مهم في تنمية تجاربه، لكنّه لا يغفل فضل عدد من الزملاء الصحفيين الّذين أرشدوه خلال مسيرته الصحفية، "أهمهّم عادل الثابتي رئيس التحرير في مكتب الأناضول بتونس. ففي بداية عملي معهم، وكانت تلك تجربتي المهنية الأولى مباشرة بعد تخرجي سنة 2014، قدّم لي الثابتي نصائح كثيرة في خصوص الكتابة للوكالات. خاصّة وأنني لم ادرس هذا النوع من الكتابة في معهد الصحافة ولم أختبره من قبل"، مضيفًا: "رافقني عادل الثابتي في بداية التجربة وبيّن لي أسس الكتابة والنقاط التي يجب أن أركّز عليها عند حضور ندوة صحفية أو أي نشاط يتطلب تغطية صحفية. كما نصحني ووجّهني في كيفية إنجاز الحوارات مع الشخصيات العامة وإقناعها بقبول محاورتي. أرشدني أيضًا في كيفية تحرّي مصداقية المعلومة، ونصحني في خصوص السرعة عوض التسرّع، حيث أنّ عمل الوكالات يتطلب السرعة لكن في نفس الوقت علينا تجنّب التسرع حتى لا نقع في الأخطاء".

ويضيف الصحفي عائد عميرة أنه قد حظي بإرشاد من الزميلة يسرى ونّاس التي تشتغل كمحرّرة في مكتب الأناضول بتونس. إذ يقول: "نصحتني يسرى كثيرًا خلال فترة عملي معهم، خاصة في كيفية إعداد التقارير والشخصيات التي يجب أن تكون حاضرة في كل تقرير وكيفية اختيارها. ونصحتني بضرورة الاحتفاظ بكل أرقام الهواتف التي أحصل عليها، فقبل ذلك كنت لا أسجّل أي رقم ولا أحتفظ به. وكنت في كلّ مرّة أعود إليها لطلب الحصول على الأرقام. نصيحتها جعلت عملي أسرع وأكثر فاعلية". 

 الإرشاد مهمّة يومية أحيانًا

بين 2019 و2022، عملت كمستشارة لدى منظمة إنتر نيوز. كنت أقدّم تدريبات أسبوعية لـ5 مؤسسات صحفية ناشئة من محافظات يمنية مختلفة، غير أنّ عملي كان يشمل أيضًا الإرشاد المستمرّ لأعضاء هذه المؤسسات كلّها. ولذلك، كنتُ على تواصل شبه يومي معهم. 

معظم هذه المواقع الصحفية كانت تعمل في البداية بشكل حصري على فيسبوك. يديرها شباب أغلبه من الهواة يحدوهم شغف كبير بالصحافة المجتمعية ورغبة محمومة في إحداث فارق. مكّن التدريب المؤسسات الخمسة من التحوّل من العمل الهاوي إلى الصحافة المحترفة. أصبح لديهم هيكلة مؤسساتية واضحة، خط تحريري وموقع محترف، وصار أعضاؤها من الصحفيين/ات قادرين على إنتاج أجناس وأشكال صحفية متنوّعة. 

وبقدر استمتاعي بالتدريبات الأسبوعية، كنت أشعر بالغبطة كلّما تلقّيت إشعارًا على واتساب بأنّ أحد المتدرّبين/ات قد راسلني :"مرحبا، أستاذة أمل، كيف حالك؟ أحتاجك في سؤال لو أمكن". كان كثير من الأسئلة تقنيًّا، حيث دارت حول كيفية كتابة قصّة ما، أو المنهجية الفضلى لإجراء مقابلة ما، أو طلب موارد حول موضوع معيّن، أو الاستفسار عن رأيي في قصة مصوّرة قبل نشرها، أو طلب المساعدة في وضع خطة قبل التنقّل إلى الميدان إلخ.

لكنّ أسئلة أخرى كانت تتعلّق بجوانب أكثر شخصية: "كيف لي أن أوفّق بين حياتي الشخصية والتزاماتي الزوجية والعائلية والعمل الصحفي؟"، "كيف يمكنني مواجهة النظرة السلبية لدى جانب كبير من المجتمع تجاه المرأة الصحفية؟"، "هل هناك حدود عليّ أن أقف عندها حرصًا على سلامتي؟"، "كيف يمكنني تأمين تواصل أفضل بين الإدارة والموظفين والمتعاونين؟".

كانت ردودي تنطلق من تجاربي الشخصية التي خضتها كصحفية مستقلّة وصحفية عاملة بغرفة أخبار ثمّ رئيسة تحرير غرفة أخبار شاركتُ في تأسيسها. لكنني لم أكن أخجل من القول بأنني لا أملك ردًّا جاهزا أو مباشرًا في حال لم تسعفني تجربتي الشخصية في ذلك. في تلك الحال، كنت أشارك السّائل/ة مقالات أو وموارد من مواقع موثوقة يمكنه من خلالها الاستئناس بتجارب أخرى. 

كمال الشاوش رئيس تحرير موقع ريمة بوست، أحد المواقع التي أشرفتُ على تدريبها، يقول في حديث لشبكة الصحفيين الدوليين إنّ "تنشئة جيل صحفي في منطقة نائية مثل ريمة ليس بالأمر السّهل". ومع ذلك، فقد أنتج برنامج التدريب والإرشاد الّذي استفاد منه "صحفيين أكفّاء". ويؤكّد الشاوش أنه بالإضافة إلى الحصص التدريبية، فقد كانت الجلسات الإرشادية مفيدة من حيث التعقيب على أغلب الموادّ التي ينتجها كل عضو في الفريق ومساعدة الصحفيين على إدراك الأخطاء وتجنّب الوقوع فيها مجدّدًا وعلى رفع التحديات التي يمكن مواجهتها. 

وقد لاحظتُ خلال تلك السنوات الثلاث أنّ معظم الصحفيات النساء المستفيدات من التدريب كنّ يمتنعن في الغالب عن طرح أسئلتهنّ خلال التدريبات المختلطة. من هنا، جاءتني فكرة بعث "الغرفة الآمنة"، وكنت سعيدة بقبول الفكرة من قبل مُديرتي، ثمّ تحوّلها إلى فقرة في البرنامج التدريبي. 

في "الغرفة الآمنة"، نجتمع مرّة كلّ شهر عبر زووم. أنا والصحفيات النساء فقط لنناقش مواضيع يصعب الخوض فيها عليهنّ بحضور زملائهنّ الرجال. تناولت المواضيع: الوصول إلى المصادر بالنسبة للصحفيات النساء، التحرّش بالنساء الصحفيات، الصورة النمطية للمرأة في الإعلام اليمني، الصحة النفسية للصحفيات، إلخ.

وعن جلسات الإرشاد وحصص الغرفة الآمنة، تقول الصحفية اليمنية سماح عملاق، إحدى عضوات فريق منصّة إب 7 برس، لشبكة الصحفيين الدوليين :"عمليًا، كان ذلك محطة مميّزة في مسيرتي الصحفية بما في ذلك القفزة النوعية على مستوى الصعيد المهني الشخصي وللمنصّة بشكل عامّ. لم تكن فترة إرشاد وتوجيه فقط، بل تجربة خَلق وصناعة وتأهيل". 

في الغرفة الآمنة، شاركتُ تجربتي وآرائي ومخاوفي وتطلّعاتي مع الزميلات الصحفيات وشاركنني تجاربهنّ وآراءهنّ ومخاوفهنّ وتطلّعاتهنّ. وأعتقد أنني تعلّمت منهنّ في تلك الجلسات أكثر ممّا علّمتهنّ.
 

حسنًا، الآن أين أجد مُوجهًا؟ 

انتبهت منظمات كثيرة في السنوات الأخيرة إلى أهمية تمكين الصحفيين من مُوجّهين يتابعون مشاريعهم الصحفية ويقدّمون لهم المشورة. ولعلّ تنامي نماذج البرامج التدريبية التي تتبعها فترة إرشاد خير مثال على ذلك. كما أنّ هناك منظمات أخرى تقدّم للصحفيين منحًا للإنتاج وتُرفقها بتعيين مُرشد يوجّه الصحفي خلال فترة اشتغاله على القصّة الصحفية. 

هذا ما تقوم به مثلا مؤسسة كانديد الألمانية التي تقدّم بشكل سنوي منحة زينيت للصحافة. وأنا سعيدة بأن أكون للعام الثاني على التوالي عضوة في لجنة تحكيم المنحة، ثمّ مشرفة على إثنين من الصحفيين الحاصلين على الدعم لإنجاز تحقيق استقصائي أو تقرير معمّق. العام الماضي أشرفت على صحفية مصرية وصحفي مغربي. وحصل هذا الأخير على جائزة دولية مؤخّرًا. 

كما أنّ شبكة الصحفيين الدوليين تستعين في كلّ دورة من دورات مركز التوجيه للمبادرات الإعلامية الناشئة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمُوجّهين لمساعدة المشاركين/ات على التخطيط الاستراتيجي ووضع خطة عمل، إضافة إلى إرشادهم إلى كيفية تحسين المحتوى المكتوب والبصري والتسويق الرقمي لتحقيق أفضل النتائج، وغيرها من المهارات التي يحتاجها مديرو غرف الأخبار والمؤسسات الإعلامية الناشئة. 

قلت في البداية إنّني كنت محظوظة.وذلك لأنني لم أبحث عن مُرشد، بل عثرت عليه. وجدته عندما تمّ قبولي لأكون مراسلة المجلّة في الحامّة (مدينة في الجنوب التونسي) وكنتُ تلميذة في الثانوي، لكنني أعرف مدى صعوبة أن نبحث عن موجّه يؤمن بنا كمشروع صحفي/ة ولا يبخل علينا بوقته ونصحه وخبرته. فعادة ما يكون الأشخاص المتقدّمون علينا بالخبرة أكثر انشغالًا. أين وكيف سنجد إذن من يمنحنا بعضًا من وقته؟ 

فيما يلي قائمة في طرق العثور على مُرشد إذا كنت صحفيا مستقلاّ: 

  • الانضمام إلى منظمة عاملة في مجال الصحافة،
  • المشاركة في الندوات والمحاضرات المتعلّقة بالصحافة والإعلام،
  • الانضمام إلى مجموعات الصحفيين عبر فايسبوك وواتساب والتواصل مع الخبراء الموجودين فيها،
  • متابعة الفرص المتاحة للصحفيين للإنتاج والإرشاد،
  • مراسلة الصحفيين الّذين تكنّ لهم الإعجاب والاحترام عبر البريد أو وسائل التواصل الاجتماعي.

في الختام، تذكّر أن الإرشاد قد يكون في شكل نقاش عادي مع شخص يقدّم لك نصحًا. فهو لن يكون دائمًا نتيجة لتعاقد المُوجّه مع جهة ما من أجل تقديم التوجيه لك. قد يرشدك زميل أكبر منك سنّا أو محرّرك في غرفة الأخبار أو مديرك. وقد تستفيد من خبرة صحفي ما فيما أنتما تشربان القهوة معًا خارج إطار العمل.

ربّما لن يكون من المفيد أن تطرح على شخص ما سؤال :"هل تريد أن تكون مُرشدي؟" لكن إذا كان هذا الشخص صحفيا يُعجبك عمله فلا تتردّد في سؤاله عن كيفية إنجازه قصّته الأخيرة أو عن نصيحته لمواجهة تحدّ ما اعترضك. 

الصورة الرئيسية حاصلة على رخصة الاستخدام على أنسبلاش.