توقعات خبراء العالم لوضع الصحافة والإعلام في 2021

بواسطة أحمد العطار
Apr 15, 2021 في الصحافة الرقمية
صورة

بعد الصدمة التي أحدثتها جائحة كوفيد 19 العام الماضي، شهدت الصحافة وقطاع الإعلام تغييرات سريعة وعميقة على جميع المستويات، كسرت معها العادات التقليدية، وخلقت عادات جديدة، ستنعكس على شكل وأداء الصحافة والإعلام خلال الأعوام المقبلة.

في العام 2021، سنبدأ في اكتشاف مدى جوهر هذه التغييرات، وسوف تتضح، بشكل كبير، تفاصيل المشهد الصحفي والإعلامي في شكله الجديد، الذي يعبر عن زمن ما بعد "كورونا".

في هذا الإطار، أصدرت "رويترز" تقريرًا مفصلًا لتنبؤات الصحافة ووسائل الإعلام والتكنولوجيا في 2021، بناءً على استطلاع واسع النطاق، شارك فيه 234 رئيس تحرير ورئيس تنفيذي ورواد التكنولوجيا الرقمية، من 43 دولة، حددوا فيه اتجاهات الإعلام التقليدي والجديد في 2021.

1- نموذج هجين لـغرف الأخبار

في هذا العام سوف تختبر المؤسسات نماذج هجينة جديدة ومستدامة لغرف الأخبار، تجمع بين الحضور الشخصي وممارسات العمل عن بعد، مع إيجاد التوازن الصحيح بين الكفاءة والإبداع.

في 2020 دفع الوباء غرف الأخبار إلى تغيير سريع نحو ممارسات رقمية بالكامل، وظهرت غرف الأخبار الرقمية الموزعة، ونجحت في إنتاج الصحف عن بعد. واستخدمت الأدوات التعاونية عبر الإنترنت بكثافة في تغطية وتنسيق وتجميع أكبر قصص العام، مثل قضية جورج فلويد، والانتخابات الأمريكية.

لا يمكن إنكار أن هذا التغير ساهم بالفعل في تحسين كفاءة العمل، لكن في نفس الوقت، تسببت ساعات العمل الطويلة من المنزل، والتعقيد المتزايد للإنتاج، في زيادة الضغوط على الموظفين وصحتهم العقلية، بالإضافة إلى صعوبة بناء العلاقات مع المصادر والحفاظ عليها، ما كان له تأثيرًا سلبيًا كبيرًا على "الإبداع".

ستعود التقارير الحية في 2021، وسنرى الصحفيين في بؤر الأحداث يلتقون المصادر وجهًا لوجه، ويغطون الحدث عن قرب، بعد عام من العزلة والانفصال عن الجمهور والمصادر، مع بقاء الكثير من الممارسات الرقمية، ما يضمن عودة "الإبداع" بجوار الكفاءة.

2- الصحافة المتخصصة والمحتوى المرئي في المقدمة

هذا العام ستركز غرف الأخبار على التخصص أكثر من ذي قبل، والاهتمام تحديدا بـالصحافة العلمية، والصحفيين القادرين على شرح القضايا المعقدة لعامة الناس، مع موضوعات أعمق وأكثر تنوعًا.

سوف تستثمر غرف الأخبار القائمة على المحتوى المكتوب، بشكل أكبر، في محتوى الصوت والفيديو عبر الإنترنت، وفي صحافة البيانات، بالإضافة إلى "القصص" المرئية التي يمكن أن تصور وتشرح المعلومات المعقدة بطريقة سهلة، والتي تحقق تفاعلًا كبيرًا على وسائل التواصل الاجتماعي. 

لعل أبرز النتائج غير المتوقعة للوباء هو زيادة الثقة في الصحافة على نطاق أوسع مقارنة بالعام الماضي، من 46٪ إلى 53٪. وستبذل المؤسسات مجهودًا كبيرًا لاستغلال هذه الفرصة من أجل تعزيز مكانة الصحافة لدى الجمهور.

3- المحتوى المدفوع 

 فيروس كورونا كان سببا في تعزيز نماذج الاشتراك والدفع مقابل المحتوى، ما جعل النشر الإعلامي ثاني أسرع القطاعات نموًا في 2020، بعد خدمات منصات بث الفيديو (Netflix وغيرها). 

صحيفة "نيويورك تايمز"‎‏ أضافت وحدها أكثر من مليون مشترك في 2020. المزيد من المؤسسات المتوسطة والصغيرة تلقت مبالغ طائلة سواء عبر طلبات الاشتراك أو تبرعات القراء، حتى في البلدان التي لم تنتشر فيها بعد ثقافة فرض رسوم على الأخبار عبر الإنترنت، بدأ الموقف يتغير.

لكن هذه الطفرة الإيجابية في 2020 لن تستمر تبعاتها على ما يبدو، ما قد يدفع المؤسسات لبذل مجهود أكبر من أجل الحفاظ فقط على اشتراكات العام الماضي، عن طريق تقديم عروض مخفضة ومتنوعة لأسعار الاشتراك، بينما ستواجه صعوبات كبيرة في استقطاب اشتراكات جديدة هذا العام.

بشكل عام، سيعمل بعض الناشرين بشكل جيد، بينما البعض الآخر سوف يكافح للبقاء، ويمكننا أن نتوقع المزيد من الدمج، وخفض التكاليف، والإغلاق، هذا العام.

4- الاعتماد على مصادر إيرادات متعددة

أصبحت لدى خبراء الإعلام قناعة كاملة بأن الإعلام المستقل المستدام يتطلب نهجًا مختلفًا فيما يخص التعامل مع أزمة التمويل، يعتمد خلاله على استراتيجيات تمويل مدعومة بـمصادر دخل متعددة، مع كسر الاعتماد على الإعلانات الرقمية، خاصة في ظل المنافسة الشديدة مع المنصات العملاقة مثل جوجل وفيسبوك اللتين تحصلان على نصيب الأسد من الإعلانات.

قد نرى هذا العام زيادة ملحوظة في عدد المؤسسات التي تتبنى استراتيجيات تمويلية تعتمد على تنويع مصادر الإيرادات، مع الاحتذاء ببعض النماذج الإيجابية في هذا الصدد، مثل صحيفة "الإندبندنت" التي اعتمدت استراتيجية تجمع بين أرباح الإعلان الرقمي والتجارة الإلكترونية ورسوم الاشتراك وإيرادات الشركات التابعة، بجانب نموذج متميز لجذب التبرعات. مع المزيد من التوسع الدولي بلغات أخرى مثل الإسبانية.

سوف يزداد عدد الناشرين المتجهين للتجارة الإلكترونية في عام 2021. وقد نرى نماذج جديدة مثل Wirecutter التابع لـ The New York Times، أو IndyBest من The Independent، وهي مواقع تسوق عبر الإنترنت تشبه لحد كبير موقع أمازون، لكنها تعمل أيضا على تقييم المنتجات المطروحة بالسوق في جميع مجالات التسوق، وترشح أفضلها للجمهور عبر الكتابة عنها. 

سنرى العديد من المؤسسات تعتمد على تنظيم الأحداث الحية والافتراضية لتحقيق الأرباح، واستثمار ازدهار ونجاح الأحداث الافتراضية خلال الجائحة. 

5- الابتكار أو الاندثار

خلال هذا العام ستحتاج غرف الأخبار إلى الابتكار في تنسيقات رقمية جديدة إذا أرادت إشراك الجماهير بنجاح على المنصات التي يختارونها لاستهلاك الأخبار، مع الحاجة إلى التركيز بشكل أكبر على التفاعل والتصميم المرئي.

الابتكار السريع كان من أبرز نتائج الوباء، حيث اضطرت المؤسسات الإخبارية  إلى التحلي بالجرأة والتفكير خارج الصندوق، لإعادة تطوير منتجاتها الحالية أو إنشاء منتجات جديدة تمامًا لمواجهة الطلب المتغير. 

ستظل وتيرة الابتكار قوية هذا العام مع تسريع الشركات الإعلامية لخططها الرقمية. والتركيز على الابتكار المستدام، بمعنى أن تكون عملية الابتكار والتغيير مستمرة وثابتة وجزء من استراتيجية المؤسسة.

6- المنصات العملاقة تدفع مقابل المحتوى الإخباري

لسنوات طالبت المؤسسات الإخبارية بـ"تكافؤ الفرص" مع المنصات التكنولوجية العملاقة مثل Google وFacebook، ودافعت عن حقها في الحصول على مقابل أكثر إنصافًا لمحتواها الإخباري الذي يساعد تلك المنصات على النمو والازدهار.

يبدو أن المنصات في 2021 سوف تستجيب، وترفع من قيمة المدفوعات مقابل المحتويات الإخبارية. 

خاصية الأخبار على Facebook، والتي تم إطلاقها العام الماضي في الولايات المتحدة وساهمت في ضخ ملايين الدولارات لبعض كبار الناشرين، وصلت إلى المملكة المتحدة في كانون الثاني/يناير، وستصل إلى ألمانيا وفرنسا والهند والبرازيل ودول أخرى في وقت ما من عام 2021. 

وفي الوقت نفسه، تستعد Google لإطلاق لوحات قصصية جديدة تسمى Google News Showcase في عدة دول بعد تجربتها في ألمانيا والبرازيل، وستظهر اللوحات على أخبار Google وغيرها، ومن أجلها ستدفع Google حوالي مليار دولار لناشري الأخبار على مستوى العالم، كرسوم ترخيص لـ 3 سنوات مقبلة، بهدف إنشاء وتنسيق محتوى عالي الجودة لهذه اللوحات.

7- إعادة تصور مفهوم "الحياد" داخل غرف الأخبار

 من المتوقع أن تكون قضية الحياد محور نقاش رئيس في غرف الأخبار هذا العام، في وقت يتعرض فيه تماسك المجتمعات لضغوط متزايدة بسبب التغيرات الاقتصادية والتكنولوجية السريعة، ما أدى لتصاعد الشعبوية، والاحتجاجات على الظلم الاجتماعي وعدم المساواة، وتراجع الثقة في المؤسسات، وظهور نظريات المؤامرة. وقد خلقت هذه الأمور ظروف جديدة سوف تؤثر على عمل الصحفيين، وتطرح تساؤلات جديدة، فيما يخص النهج التقليدي لمبدأ "الحياد".

تقرير رويترز يؤكد أن (88٪) من كبار المحررين، أكدوا أن الحياد مهم أكثر من أي وقت مضى، إلا أن (48٪) منهم أكدوا أيضا أن هناك بعض القضايا مثل (الديمقراطية والعنصرية) لن يكون مناسبًا للصحفيين اتخاذ موقفا محايدا فيها. 

هذا التناقض سيدفع غرف الأخبار إلى إعادة تصورها عن "الحياد". 

8- عام البودكاست

2021 هو عام البودكاست بلا شك. وسوف يستمر البودكاست الإخباري في رحلة صعوده التي بدأت خلال عام 2020، ليتجاوز تماما فكرة تصنيفه كوسيط ترفيهي، مع انتشار مكثف لـ بودكاست الفيديو، والتنسيقات ذات المدة الزمنية الطويلة.

منصات كبرى سوف تتطلع إلى التحكم المباشر في إنتاج وتوزيع البودكاست، وهو ما بدأت إرهاصاته في كانون الثاني/يناير الماضي، باستحواذ Amazon على Wondery، أحد أهم ناشري البودكاست المستقلين.

ستتعاقد المنصات الكبرى حصريًا مع النجوم والمشاهير، وأفضل الأصوات في العالم، لتعزيز تطبيقات الصوت الخاصة بها.

سنشهد أيضًا تحولًا كبيرًا في النماذج المدفوعة من البودكاست. بعض المنصات ستبدأ في عمل نماذج اشتراكات مدفوعة مقابل المحتوى المسموع، والبعض الآخر سوف يدعم نماذج تبرع لتمويل صناع البودكاست.

9- تواجد أكبر للذكاء الاصطناعي

هذا العام ستتعامل شركات الإعلام بشكل متزايد مع تقنيات الذكاء الاصطناعي للمساعدة للعثور على قصص وعملاء جدد، وتسريع وتحسين كفاءة الإنتاج والتوزيع. 

الناشرون يرون أن الذكاء الاصطناعي هو أكبر عامل تمكين للصحافة على مدى السنوات القليلة المقبلة. 

توليد التنسيقات الجديدة من النص، هو أكثر مجالات الذكاء الاصطناعي إثارة للاهتمام هذا العام. تقوم BBC بتجربة الأدوات التي تحول قصة إخبارية نصية إلى "قصة مرئية" مناسبة للهواتف المحمولة.

فيما يبحث آخرون في تقديم خيارات ملخصة للأخبار كبديل للمقالة السردية الكاملة. ويخطط المزيد من الناشرين لإضافة نسخ صوتية من قصصهم باستخدام مجموعة من الأصوات الاصطناعية. 

من المتوقع رؤية المزيد من المؤسسات الإخبارية تستفيد من دمج تطورات الترجمة الآلية هذا العام في تطبيقات الجمهور، مما يسمح بترجمة منشورات الوسائط الاجتماعية والمقالات الإخبارية على الفور.

10- الاستعداد لشبكات الجيل الخامس

 تساهم شبكة الجيل الخامس في تمكين المؤسسات الإخبارية من إنتاج تقارير موثوقة وعالية الدقة عبر الهاتف المحمول، وتسهيل العمل، وحزم الوسائط من أي مكان. 

من المتوقع أن يتضاعف عدد الهواتف الذكية المزودة بتقنية 5G إلى أكثر من الضعف، ليصل مستخدميها إلى 600 مليون في عام 2021، هذا التسارع بجانب انتشار الأجهزة الجديدة، بما في ذلك الأجهزة القابلة للارتداء والنظارات الذكية، يتطلب من الناشرين الاستعداد لمستقبل يتضمن نقل المحتوى والعلامات التجارية عبر المزيد من الأجهزة وقنوات التوزيع.

الصورة الرئيسية حاصلة على رخصة الإستخدام على بيكسنيو