تجارب وتحديات الأمهات الصحفيات في عملهن.. ومطالبهن من المدراء!

بواسطةأماني شنينو
Aug 9, 2019 في موضوعات متخصصة
شانتال صليبا

تُفرد القوانين في العادة مواداً خاصة بالمرأة الأم العاملة، نظراً لخصوصيتها الجسمانية والاجتماعية، وفي الإعلام من المفترض تطبيق الأمر نفسه مع الصحافيات الأمهات، لكن نجد أنهن يُعانين من القصور في حقوقهن مما ينعكس على عملهن وحياتهن.

هناك العديد من الحالات التي تم تسجيلها لصحفيات حُرمن من إجازة الأمومة، وغيرهن ممن كانت إجازات الأمومة الخاصة بهن بدون راتب، وخوفاً من البقاء دون عمل تضطر للسكوت وتقبل الأمر، هذا بالإضافة للعديد من التجاوزات ضدهن والتحديات التي تجعل من مهنة الصحافة في ظل أمومتهن عبئاً ثقيلاً ومُضاعف.

تقول الصحفية لنا شاهين مديرة تحرير مكتب غزة في قناة الميادين، حول كيفية الموازنة ما بين عملها ومسؤوليتها تجاه أبنائها وبيتها: "أنا أم وصحفية. أي من هاتين الصفتين تأتي أولاً، صدقاً لا أعرف. فتارة سأعبر عن نفسي بالأم الصحفية، وتارة أخرى بالصحفية الأم؛ لأنني أتأرجح ما بين واجباتي المنزلية والمهنية. ولكل منهما زمانه ومكانه الخاص به. ففي أوقات الخطر والشدة والاضطراب والأحداث الجسام وعندما تقرع طبول الحرب تكون بوصلتي هي مكان الحدث، وشغلي الشاغل هو تغطية الخبر، ونقل الواقع على الأرض. وفي الوقت عينه، تكون روحي معلقة بأبنائي خشية عليهم من أن يمسهم أي مكروه".

لنا شاهينلنا شاهين

 

"تنظيم الوقت"

تتابع:" إن كلمة السر في فرض التوازن بين واجبات العمل ومسؤوليات المنزل هي تنظيم الوقت، وفي غالب الأحيان تتغلب لنا الأم الصحفية على احتياجات لنا الإنسانة، فأن تكون ناجحاً في عملك، وأن تهتم بأدق تفاصيل حياة أبنائك كي يصلوا إلى مراتب التفوق والتميز فهذا يتطلب ثمناً نفسياً وجسدياً، وأي ثمن".

ولأن الصحفية أكثر عُرضة للانتقاد والتنمر في كثير من الأحيان  خاصةً في مجتمعاتنا العربية، فإن لنا تُحارب لمواجهة كل ذلك ولأجل اتقان مهامها كما ينبغي: "تتعدد التحديات والمشكلات وتتنوع، ما بين تحديات نفسية وجسدية، لاسيما في أوقات الحروب، حيث تلوذ عائلتي في المنزل في مثل هذه الظروف الكارثية، وأنا أندفع بكل قوتي عكس السير، أولي وجهي شطر الخطر أينما كان، وكيفما كان".

تتابع لنا: "من واقع تجربتي أكاد أجزم بأن المرأة عندما تمتهن الصحافة، وتسعى لأداء عملها على أكمل وجه، فإنها تكون أكثر حرصاً من الرجل على كبح جماح مخاوفها وقلقها، بل أكثر ميلاً إلى المغامرة والظهور بمظهر الجريء الذي لا يهاب الموت، لا لشيء إلا لأنها تعلم علم اليقين أن من حولها يضعونها تحت المجهر، ويتلهفون على أي بادرة خوف أو إشارة فزع وجزع قد تبدو عليها؛ فيعزون ذلك إلى كونها امرأة، وأنها تظل أقل قدرة منهم على أداء مثل هذه الأعمال، وهذا ما يشكل ضغطاً نفسياً إضافياً على الصحفية، ويجعل احتمالات تعرضها للخطر أكبر وأكبر. علاوة على استهداف الصحفيين، فلا يعلم الصحفي هل سينقل الخبر أم هو نفسه سيصبح الخبر. وعملنا الميداني مرهق بكل ما فيه من معاناة، يفاقمها بكل تأكيد كوني امرأة تحتاج إلى توفير الحد الأدنى من الخصوصية، على وجه الخصوص خلال العمل في المناوبات الليلية".

"إدارة المؤسسة تتفهم أمومتي"

تُضيف لنا:" صراحةً أقولها طوال عملي كصحفية على مدار اثنين وعشرين عاماً لم أدع أي فرصة لإشعار أي مؤسسة عملت معها بمرض أبنائي أو حتى مرضي أنا، إلا فيما ندر، وأكون بالفعل قد وصلت إلى مرحلة عدم القدرة على الوقوف؛ حرصاً مني لإثبات حقيقة أن كفة الرجل في مهنة الصحافة لا ترجح على كفة المرأة ولا بمثقال خردلة، وأن كون المرأة صحفية لا يعني بأي حال إحلالها في درجة أدنى على مقياس العمل والإنتاج والخلق والابتكار. ورغم كل ما تقدم، لا يساورني أدنى شك أن إدارة المؤسسة التي أعمل معها تتفهم أمومة الصحفية، ولكن في التوازي هذا لا يعني أن بعض المؤسسات الإعلامية لا تراعي خصوصية الصحفية المرأة والأم على حد سواء".

ومطلبُ لنا من إدارة المؤسسات الإعلامية بشكل عام يتلخص فقط بعدم التمييز في الحقوق والواجبات بين المرأة والرجل، مع تفهمها للطبيعة الخاصة بالمرأة وأمومتها.

تبقى لكل أم صحفية خصوصية تجربتها الخاصة في الحياة، التي لا يمكن تعميمها مع بقاء بعض النقاط المشتركة مع سواها من الأمهات الصحفيات.

قابلنا الصحفية وسام ياسين مراسلة إخبارية لقناة الحرة الفضائية، وتقول وسام: "كوني مراسلة إخبارية فأنا أتوقع انشغالي بالعمل في أي لحظة وهذا أصعب ما في العمل ولكنني أحاول دائما وضع خطط لمراعاة المنزل والأبناء وتحضير متطلباتهم قدر المستطاع".

وسام ياسينوسام ياسين

 

تقصير خارج عن الإرادة

تُضيف وسام: "لا أُنكر أنني أحيانا أكون مقصرة بحق أبنائي خاصة خلا فترة دراستهم إلا أنني لا أجد بديلا!، فصعب جدا أن أكون صحفية وأم وليس سهلا، وهذا عبء يخص النساء أكثر بكثير من الصحفيين الذكور، جميعنا يعرف أن مسؤوليات الزوجة والأم أكبر داخل المنزل خاصة في المجتمع الشرقي".

 تحديات المهنة تفرض نفسها

تؤكد وسام على أن أكثر التحديات التي تواجهها كعديد من الصحفيات: "في حال تغطيتي الإخبارية لحرب أو تصعيد أو حدث مستمر يستوجب وجودي الدائم في المكتب، وهنا لا أعذار للصحفي ليتغيب؛ لأن العمل الصحفي مبني على التغطية الجيدة والسبق الصحفي، لكن أيضا تتفهم القناة التي أعمل بها أحيانا في حالي طلبي بعض الراحة خاصة لو كنت أنا أمر بوعكة صحية، وقليلا ما أطلب الإجازات".

تقول وسام :" من تعمل في الحقل الإعلامي بالتأكيد تعرف مسبقا واجباتها؛ لذلك الحل يأتي من الصحافية نفسها بأن:

  1. ترتب أولوياتها وجداولها في العمل جيدا بحيث تجد متسعا من 210 للمسؤوليات الخاصة والاجتماعية.
  2. محاولة إشراك المقربين منها في عائلتها أو الأصدقاء لدعمها".

مطلب عادل

حين تمتهن الأُم مهنة كالصحافة فإنها تُدرك بذلك حجم التضحية الذي تُقبل عليه، وتستشعره أثناء عملها، لكن أيضاً لا يخلو الأمر من بعض المطالب التي تسعى لها جاهدة كحق من حقوقها الإنسانية أولاً وقبل أي شيء آخر، لذا تُطالب وسام سواء أكان من مؤسستها أو جميع المؤسسات الإعلامية: "تخصيص إجازات مدروسة للصحفيين والصحفيات الأمهات بالذات، سواء أسبوعية أو سنوية؛ لأن الصحفي بشكل عام يحتاج إلى الراحة خاصة النفسية والضغوط التي تتراكم من كم القصص التي يعمل عليها تقلل من فاعليته في العمل، كما أنه إنسان يحتاج إلى استراحة أيضا لإعطاء الاهتمام الكامل لأسرته".

ليست فقط المؤسسات الإعلامية، هناك تحديات تُواجهها الأمهات الصحفيات من قِبل المجتمع، تقول الصحفية غالية حمد مراسلة لقناة الجزيرة مباشر الفضائية: "لا بد أن تواجه الصحفية الأم بين الوقت والآخر محاولات من بعض المحيطين بالكلمات أو بالنظرات أو بالتلميحات لإقناعها بالتخلي عن دورها كصحفية وأم عاملة.  لكنهم هم ذاتهم يتراجعون حالما يروا انجازاتها ونجاحاتها.  لذا أقول دائما بأن بصمة الصحفية بالذات لا يمكن لأحد أن يقلدها. بنظرتها التي ترى تفصيلا إنسانيا صغيرا قد لا يراه سواه، إنها ببساطة أم وصحفية وأنا أرى هذا المزيج رائعا ومهما لكل مؤسسة تعمل في الحقل الإعلامي".

غالية حمدغالية حمد

وحول تجربة أمومتها الجديدة، تخبرنا غالية: "أنا الآن أنتظر مولودا جديدا وأعتبر نفسي محظوظة بأن مؤسستي التي أعمل لصالحها "قناة الجزيرة مباشر" تُبدي تفهما كبيرا لذلك، وتخفف عني عبء العمل إلى أدنى حد ممكن.  لكن أتمنى أن تكون كل المؤسسات بذات الدرجة من التفهم كي تتمكن الصحفيات من المزاوجة بين رسالتيها التي تؤديهما في الحياة: نقل الحقيقة و تنشئة فرد صالح للمجتمع".

حقوق تحتاجها الأمهات الصحافيات

وتؤكد غالية على أنه هناك تغيراً في مفاهيم المجتمع الشرقي حول عمل المرأة بشكل عام، وتقبُّل لدورها بصورةٍ أفضل من ذي قبل، لكن مع ذلك نحن بحاجة لمزيد من الوعي والنضج الفكري، خاصةً في بيئة عمل ضاغطة مثل فلسطين وغزة تحديدا، تجعلهن بحاجة إلى الحصول على حقوقهن ليتمكنّ من إعطاء الأفضل دوما:

  1. أهمها الحقوق المادية التي تضيع اليوم في تفاصيل الأزمات المادية التي تمر بها المؤسسات الصحفية المحلية بالذات.
  2. والحقوق الوظيفية وذلك بعدم حرمانهن من الترقيات ومن المواقع القيادية فقط لأنهن إناث، كما أنهن يحتجن إلى حق الحصول على إجازات بعيدة عن الكم الهائل من الضغوط.  إجازات تعيد شحن هدوئهن النفسي الذي تستهلكه أخبار الموت واليأس والقهر التي صارت جزءا من روتين حياتهن اليومي".

الصورة الرئيسية للمذيعة شانتال صليبا وهي حامل وتقدم نشرة أخبار على شاشة سكاي نيوز