الصحافة الاستقصائية في اليمن.. تجربة لافتة في كشف الفساد

بواسطةأشرف الريفي
Oct 29, 2020 في الصحافة الاستقصائية
الصورة  من موقع اريج أثناء تسلم  الصحفي اصيل سارية لجائزة أريج للصحافة الاستقصائية 2019

على الرغم من أن الصحافة الاستقصائية في اليمن لا تزال ناشئة، إلا أنها تكافح من أجل التوسع والازدهار، مغرية جيلا جديدا من الصحفيين المؤمنين بهذا النوع المعتمد على التقصي والتحقق لكشف الفساد والاختلالات التي تزاحم أزيز الرصاص في بلد يشهد حربا منذ أكثر من خمس سنوات.

مسيرة قصيرة للصحافة الاستقصائية في اليمن لم تخل من الإنجازات والإنتاج الاستقصائي الذي عرى أشكال الفساد المختلفة، وسجل إنجازات من بين ركام الحرب وقسوتها، هنا نستعرض ملمحا منها من خلال تجربة ملفتة للصحفي أصيل سارية الذي عشق هذا النوع من الصحافة وحقق العديد من الإنجازات المهنية والجوائز الإقليمية.

 بدأ الصحفي سارية مشواره في الصحافة الاستقصائية في العام 2015 بعد التحاقه بدورة تدريبية مع شبكة" أريج"  للصحافة الاستقصائية في أساسيات الصحافة الاستقصائية وهو تدريب نوعي في إنتاج التحقيقات الاستقصائية المتلفزة حسب سارية الذي بدأ بعد ذلك محاولة إعداد أول تحقيق استقصائي لكن الحرب أوقفته في ذلك العام لينتج لاحقا.

شرع أصيل مشواره بعمل استقصائي حول السوق السوداء للمساعدات الإنسانية في مدينة عدن، جنوب البلاد، وهو أول تحقيق يتناول الفساد في المساعدات أثناء الحرب.

أعجب أصيل بهذا النوع من العمل الصحفي وبدأ العمل على إنجاز تحقيقات مع شبكة أريج للصحافة الاستقصائية، وخلال خمس سنوات مع شبكة أريج أنتج بشكل مباشر 12 تحقيقا استقصائيا، وهو أعلى رقم ينتج مع أريج لصحفي استقصائي في النطاق الجغرافي الذي تعمل فيه أريج حد قوله.

تلقى سارية تدريبات نوعية مع "أريج" كان أهمها مع يسري فوده الذي يعد رائد الصحافة الاستقصائية في الوطن العربي، وأنتج تحت إشرافه تحقيقين استقصائيين تلفزيونيين بثا في قناة المانية.

ورغم صعوبات الوضع الصحفي في اليمن الذي يشهد حربا منذ العام 2015 إلا ان تقارير أصيل تنوعت بين قضايا الفساد، القضايا الاجتماعية، وانتهاكات حقوق الإنسان.

لم تقتصر تجربة سارية مع  شبكة "أريج"، فحسب بل غرد للعمل خارج إطار الشبكة وأنتج تحقيقات مع وسائل إعلام أخرى، كتحقيق "إغاثة سوداء" الذي نشر في العام 2016 في موقع العربي الجديد، وأنتج تحقيقات مع موقع فايس بالنسخة العربية، وتحقيقًا مع تلفزيون العربي، ولديه الآن تحقيقات مع موقع "الجزيرة نت"، والشرق.

إنجازات سارية فتحت أمامه آفاقاً كثيرة للعمل، منها فرصة جديدة في الطريق للعمل كمنسق لمشروع خاص بالتحقيقات الاستقصائية عن الإفلات من العقاب، ناهيك عن عمله كمشرف فري لانس للتحقيقات الاستقصائية في موقع "الجزيرة نت".

وخلال هذه المسيرة حصل على جائزة شبكة أريج للشبكة الاستقصائية لعامين متتاليين 2018، 2019 الأولى عن  تحقيق "رحلة اللا عودة"  حول أوضاع الصيادين اليمنيين في فئة التحقيقات التلفزيونية القصيرة، والثاني بعنوان "إغاثة فاسدة بإشراف أممي" في فئة الوسائط المتعددة.

كما فاز في 2019 بجائزة الاتحاد الاوروبي الخاصة بقضايا الهجرة حول تجارة الأعضاء البشرية، وحصل في عامي 2017 و2018 على المركز الثاني تواليا في مسابقة سمير قصير في فئة التحقيقات التلفزيونية والمكتوبة واختير تحقيقه "إغاثة فاسدة " من قبل الشبكة الدولية للصحافة الاستقصائية من بين أفضل خمسة تحقيقات ناطقة باللغة العربية.

في العام 2019 أسس أصيل سارية وبعض الصحفيين الشبكة اليمنية للصحافة الاستقصائية "يمان" من اجل تطوير الثقافة الاستقصائية لدى الصحفيين، وتطوير اساليبهم ومهاراتهم على انتاج تحقيقات استقصائية، والتشبيك بينهم ووسائل الإعلام  لنشر إنتاجاتهم وفقا للمعايير المهنية والأخلاقية.

هذه الإنجازات يفخر بها أصيل ويعتبرها تطورا مهنيا في مسيرته الخاصة في صحافة الاستقصاء التي يرى أنها بحاجة للكثير من تعزيز المهارات والقدرات.

تنمو الصحافة الاستقصائية في اليمن ببطء حسب سارية، لكنه يستشرف مستقبلا أفضل مراهنا في ذلك على جيل من الصحافيين مؤمن بالصحافة الاستقصائية ، ويسعى ليتغلب على الصعوبات التي تقف أمام هذا النوع من الصحافة.

ويلخص أصيل العوائق التي تقف أمام صحافيي الاستقصاء في اليمن بالحرب التي تؤثر بشكل عام على الصحافة وعلى صحافة الاستقصاء بشكل خاص بالذات التي تتناول انتهاكات أطراف النزاع فالجميع يواجه الصحفي الاستقصائي، إضافة إلى افتقار الصحفيين الاستقصائيين لأساليب الصحافة الاستقصائية الحقيقية وحاجتهم الماسة للتأهيل والتطوير، ناهيك عن صعوبة الوصول إلى المعلومة في ظل تكتم كافة الأطراف على المعلومات.

ومن التحديات أيضاً غياب وسائل إعلام يمنية محايدة ومهنية تنشر مثل هذه التحقيقات بعيدا عن صراعات أطراف الحرب، وغياب التمويل في ظل عدم تمويل وسائل الإعلام المحلية إنتاج تحقيقات استقصائية، ومحدودية التمويل من قبل وسائل الإعلام العربية والدولية.

وينصح أصيل سارية الصحفيين الاستقصائيين بالتحلي بالنفس الطويل لما يتطلبه إنجاز هذا النوع من التحقيقات، معتبرا ان الاستعجال في إنجاز العمل يؤثر على مهنيته وجودته وموضوعيته. ويشدد على التحقيق من أي معلومة يحصلون عليها اما بالرجوع للمصادر الرسمية والخبراء في كشف الوثائق خصوصا المعلومات التي تنتشر في السوشيال ميديا ووسائط التواصل الاجتماعي وأن يتسلح الصحفي بأدوات التحقق الرقمية والتطبيقات الالكترونية المتاحة حاليا.

ويحث الصحفيين على المهنية و تطوير أنفسهم من خلال الدورات التي تقدمها العديد من الجهات المتخصصة ومواكبة الصحافة الاستقصائية التي تتطور بشكل متسارع وصارت تستخدم صحافة البيانات، والتحقيقات المفتوحة المصدر وغيرها من القوالب الجديدة.

من جهته، يرى الصحافي الاستقصائي محمد يحيى جهلان مدير تحرير شبكة (يمان) للصحافة الاستقصائية أن صحافة الاستقصاء لا تزال ناشئة في اليمن وأغلب البلدان العربية كونها تعتمد على البحث والاستقصاء والتحري والتوثيق وتتطلب الوقت والامكانيات المادية والتقنية، بعكس الصحافة التقليدية.

ويشيد جهلان بالجهود المبذولة من قبل صحفيين ومنظمات في الوطن العربي أبرزها (أريج للصحافة الاستقصائية) للعمل ونشر هذا النوع المعمق من الصحافة المعتمدة على الاستقصاء، إيمانا منهم أن هكذا صحافة هي سبيل لكشف الحقائق ولتغيير كثير من الاخطاء والسلبيات وقضايا الفساد السائدة في مجتمعاتهم، وفق منهجية بحثية ومهنية عالية. ويقول إنهم من هذا المنطلق قاموا بتأسيس الشبكة اليمنية للصحافة الاستقصائية (يمان) كأول منظمة تعنى بالعمل في الصحافة الاستقصائية من خلال انجاز تحقيقات، إضافة الى تدريب الصحفيين وتقديم مختلف وسائل الدعم لهم.

وحسب جهلان، فإن ابرز التحديات التي تواجه الصحفي الاستقصائي المستقل في اليمن هي التحديات الامنية في ظل الحرب والانقسام التي يعيشها البلد، الأمر الذي ضاعف من صعوبة العمل وعدم توفر المناخ الملائم، إلى جانب عدم سهولة الحصول على المعلومة والوثائق في ظل هكذا وضع، وعدم وجود أرشيف ووثائق معتمدة لكثير من الجهات المعنية، لتأتي بعد ذلك الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها الصحفي الاستقصائي في اليمن، وصعوبة حصوله على الامكانيات المالية والتقنية للعمل في التحقيقات الاستقصائية تحديدا تلك التحقيقات التي قد يتطلب العمل فيها شهرين أو أكثر.

ويعتبر مدير شبكة "يمان" أن هذه التحديات ضاعفت من مهمة الصحفي الاستقصائي في اليمن لكنها لم تهزمه، حيث نرى الكثير من  الزملاء الذين استطاعوا انجاز العديد من التحقيقات الاستقصائية التي أحدثت تأثيرا وتغييرا للعديد من القضايا المجتمعية.

الصورة  من موقع اريج أثناء تسلم  الصحفي اصيل سارية لجائزة أريج للصحافة الاستقصائية 2019