في زمن تتدفق فيه المعلومات من كل اتجاه، لم تعد الفبركة الكاملة هي الطريقة الوحيدة لخداع الجمهور، بل ظهرت أساليب أكثر خفاءً وتعقيداً، تعتمد على إعادة توظيف الحقيقة نفسها في سياق زائف. من بين هذه الأساليب، يبرز "التضليل بالمصدر" كأحد أخطر أشكال التلاعب بالمحتوى، لأنه يمنح الادعاء الكاذب غطاءً من المصداقية الظاهرة. فقد لا يكون ما تراه أو تسمعه زائفاً من حيث الشكل أو المصدر، لكنه قد يكون مضللاً تماماً من حيث السياق والمعنى.
يتجلى هذا النوع من التضليل في استخدام مقاطع حقيقية -سواء كانت صوراً أو فيديوهات أو تصريحات موثقة- لكن تنتزع من سياقها الأصلي وتُسقط على حدث أو زمان أو مكان مختلف. مثال على ذلك، تصريح قديم لمسؤول يُعاد تداوله على أنه جديد؛ وعلى الرغم من أنه تصريح صحيح وموثق، إلا أن إعادة نشره بهذه الصيغة تُعد مثالاً نموذجياً على "التضليل بالمصدر".
ما هو التضليل بالمصدر؟
هو استخدام مادة أصلية صحيحة من حيث الشكل والمحتوى، ولكن في إطار سياقي مضلل، يُغيّب فيه الزمن أو المكان أو البعد الموضوعي. وعلى عكس "الفبركة الكاملة" التي تصنع محتوى مزيفاً من الصفر، فإن هذا النوع من التضليل يستند إلى معلومات حقيقية، ما يمنحه طابعاً من المصداقية ويجعل اكتشافه أكثر صعوبة.
يندرج تحت هذا المفهوم شكلان أساسيان من أشكال التضليل وفق منهجية كلير واردل (Claire Wardle) الرائدة في دراسات التضليل الإعلامي:
1- المحتوى المضلل (Misleading Content): حين تُستخدم معلومة صحيحة بطريقة تُخفي أو تُغيّر المعنى الأساسي.
2- السياق الزائف (False Context): حين يُعاد توظيف صورة أو فيديو أو تصريح صحيح في سياق زماني أو مكاني مختلف لخدمة سردية غير صحيحة.
من المهم الإشارة إلى أن مصطلح "التضليل بالمصدر" نادراً ما يُستخدم كتصنيف رسمي مستقل من قبل منصات التحقق أو الدراسات الأكاديمية الكبرى، بل يُستعمل غالباً كمصطلح وصفي يوضح الآلية الكامنة وراء هذه الأنواع من التضليل. فهو ببساطة يشرح كيف تُستغل "المصادر الحقيقية" في خدمة رواية زائفة.
الجذور الأكاديمية والمنهجية
في عام 2017، نشرت كلير واردل، تقريراً محورياً لمدققي المعلومات في منظمة "فيرست درافت نيوز" (First Draft News)، حددت فيه سبعة أنواع رئيسية للتضليل المعلوماتي. وفي 2020 نشرت تقريراً أكثر تفصيلاً بعنوان (7 Types of Misinformation and Disinformation). شرحت خلاله هذه الأنواع، ومن بينها ما نناقشه هنا: "المحتوى المضلل" و"السياق الزائف". وقد تبنت هذه المنهجية منصات تحقق كبرى على المستوى الدولي والعربي.
مفاهيم متقدمة مرتبطةمع تطور النقاش الأكاديمي، ظهرت مصطلحات أكثر دقة لتوصيف الحالات التي يُستخدم فيها المصدر الحقيقي كسلاح للهجوم. ومن أبرزها:
"السياق المسلّح" أو "السياق المستخدم كسلاح" (Weaponized Context): وهو امتداد لفكرة "السياق الزائف"، لكن مع إبراز عنصر النية الخبيثة. ففي هذا الإطار، لا يقتصر التضليل على وضع المحتوى في سياق خاطئ، بل يتم "تسليح" السياق عمداً لاستهداف أشخاص أو جماعات أو قضايا بعينها.
وفق هذا المفهوم: يصبح المصدر الحقيقي هو السلاح، بينما السياق المختلق هو آلية إطلاقه.
المحتوى المضلل (Misleading Content)
هذا النوع من المعلومات لا يكون كاذباً تماماً، لكنه يُقدَّم بطريقة تخدع القارئ أو تُضلله. وغالباً ما يعتمد على معلومات حقيقية، لكنه يُستخدم بأسلوب مجتزأ أو انتقائي أو غامض، بهدف تغيير المعنى الأصلي أو دفع المتلقي نحو استنتاج خاطئ.
كيف يتم التضليل؟
1. التحريف أو الاجتزاء:
يُستخدم عبر عرض معلومات صحيحة -مثل صور أو إحصاءات أو اقتباسات- لكن بعد حذف أو تحريف سياقها الأصلي، بما يغيّر معناها أو يوحي برسالة مغايرة. ومن أمثلته: اقتباس من تقرير موثوق يُخرج من سياقه، أو تعديل عنوان تقرير بما يعكس مضموناً مناقضاً.
مثال شائع: تصريحات منظمات دولية مثل الأمم المتحدة أو منظمة الصحة العالمية، التي تُقتطع أو يعاد تأويلها بطريقة مغلوطة.
مثال توضيحي: تصريح "المرض X"
الادعاء: "منظمة الصحة العالمية تحذر من وباء جديد اسمه 'المرض X' سيكون أشد فتكاً من كورونا بـ20 مرة، وتدعو لإغلاق عالمي جديد".
حقيقة المصدر: التصريح صحيح نسبياً، إذ تحدث المدير العام للمنظمة، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، بالفعل عن "المرض X" خلال المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس.
آلية التضليل: أخرج التصريح من سياقه الأصلي؛ فـ"المرض X" ليس مرضاً موجوداً حالياً، بل مصطلح افتراضي تستخدمه المنظمة منذ 2018 للإشارة إلى جائحة محتملة قد تنشأ من فيروس غير معروف بعد. كان حديث تيدروس عن أهمية الاستعداد المسبق، لا عن خطر وشيك. لكن بعض الجهات ضخمته لترويج سردية الخوف.
2. العرض المضلل:
أحيانًا لا تكون المعلومات كاذبة، لكنها تُعرض بطريقة تُوصِل رسالة خاطئة. مثل استخدام رسم بياني حقيقي بدون الإطار الزمني الكامل، ما يعطي انطباعاً مبالغاً فيه. ويُعرف هذا الأسلوب بـ"انتقاء البيانات" (Cherry-Picking) أو "الرسم البياني المبتور" (Truncated Graph).
مثال: الادعاء بأن "الاحتباس الحراري توقف"، استناداً إلى رسم بياني حقيقي يظهر درجات الحرارة خلال الفترة 1995 - 2009 التي بدت مستقرة. لكن تجاهل بيانات العقود الأطول أخفى الاتجاه العام للارتفاع. وقد فنّدت منصة Skeptical Science هذا الادعاء في تقرير علمي بعنوان ?Has Global Warming Stopped.
3. الإيحاء أو الغموض:
تُستخدم أساليب مراوغة مثل العناوين المثيرة أو الاقتباسات الغامضة لدفع القارئ نحو استنتاج غير صحيح بدون قول ذلك مباشرة.
مثال: عنوان "لقاح كورونا يسبب جلطات" بينما التقرير يتحدث عن حالة نادرة جداً بين ملايين.
مثال آخر: اقتباس ساخر يُعرض كأنه تصريح جدي، ما يقلب معناه كلياً.
السياق الزائف (False Context)
يقصد به استخدام محتوى حقيقي (صورة، فيديو، تصريح) في إطار غير دقيق من حيث الزمان أو المكان أو الحدث، فيفقد معناه الأصلي ويصبح مضللاً. وعلى الرغم من صحة المادة من حيث المصدر والمضمون، فإن إعادة توظيفها في سياق مختلف —عمداً أو بسبب غياب التحقق— تضفي عليها طابعاً خادعاً.
أمثلة:
- صورة لانفجار مرفأ بيروت 2020 تُنشر بزعم أنها من غزة في 2024.
- فيديو من مظاهرة في اليمن يُقدَّم على أنه من ليبيا.
- تصريح قديم يُعاد ترويجه كأنه جديد لدعم موقف راهن.
المنصات التي تتبنى هذه المنهجية:
هذه المنهجية ليست حكراً على مؤسسة واحدة، بل أصبحت الممارسة المعتمدة لدى العديد من منصات التحقق من المعلومات الموثوقة حول العالم.
دولياً:
- خدمة تقصي الحقائق في وكالة فرانس برس (AFP Fact Check): تستخدم تصنيفات مشابهة بشكل روتيني في تقاريرها.
- رويترز (Reuters Fact Check): تعتمد على نفس المبادئ لتصنيف الادعاءات.
عربياً:
- صحيح مصر (Sahih Masr): تستخدم منهجية تصنف الادعاءات إلى عدة أشكال من بينها "محتوى مزيف" و"محتوى مضلل".
- تأكد (verify-sy): تتبع نفس المبادئ في تقارير التحقق الخاصة بها، وفق تصنيف "تضليل" و"خارج السياق".
تقنيات شائعة في التضليل بالمصدر
- الاقتطاع من التصريحات: يتم أخذ جملة أو جزء من حديث طويل لمسؤول أو خبير، واقتطاعه من سياقه بحيث يظهر المعنى بشكل مغاير لما قصده المتحدث. قد يبدو التصريح صحيحاً لغوياً، لكنه مخلّ بالمعنى بسبب غياب السياق الكامل.
- دمج مصدر حقيقي مع تعليق كاذب: في هذه الحالة، يتم استخدام صورة أو فيديو صحيح، لكن يضاف إليه تعليق أو وصف مغلوط، يقود الجمهور إلى فهم خاطئ لما يراه.
- إسقاط المصدر على حدث مختلف: تُعاد استخدام صورة أو فيديو من حدث سابق، وتُقدَّم على أنها توثيق لحدث جديد، رغم أنه لا علاقة بين الحدثين سوى التشابه البصري أو العاطفي.
- الترجمة المحرفة للمصدر: يحدث ذلك عند نقل تصريحات أو تقارير من لغات أجنبية، حيث يتم تحريف الترجمة لتخدم أجندة معينة، أو حذف أجزاء مهمة تغيّر المعنى المقصود كلياً.
لماذا تنطلي هذه الأساليب على الجمهور؟
1- المظهر الموثوق: المادة المستخدمة تكون حقيقية وموثقة، ما يمنحها تلقائياً نوعاً من المصداقية في نظر المتلقي.
2- الانحياز المسبق: يميل الناس بطبيعتهم إلى تصديق ما يتوافق مع قناعاتهم السابقة، ولذلك يسهل التلاعب بعواطفهم من خلال محتوى يبدو وكأنه "دليل" يدعم مواقفهم.
3- ضعف مهارات التحقق: كثير من مستخدمي الإنترنت لا يمتلكون أدوات أو مهارات التحقق من صحة المعلومات أو السياقات، ما يجعلهم عرضة لإعادة النشر بدون تدقيق.
كيف نتحقق من السياق؟للتحقق من صحة السياق الذي يُعرض فيه محتوى معين، ينصح باتباع الخطوات التالية:
- راجع تاريخ وتوقيت المادة: تحقق من توقيت نشر الفيديو أو التصريح أو الصورة، فغالباً ما يكون الاختلاف الزمني هو أول مؤشر على التضليل.
- ابحث عن النسخة الكاملة: لا تكتفِ بالمقطع المتداول، بل حاول الوصول إلى النص الكامل أو الفيديو الأصلي، لترى الصورة الكاملة لما قيل أو حدث.
- قارِن المعلومات: تحقق من تطابق ما يُروَّج في المنشور مع ما ورد فعلياً في المصدر الأساسي.
- استخدم الأدوات الرقمية: مثل InVid لتحليل الفيديوهات، أو خدمات الأرشفة مثل Wayback Machine للرجوع إلى النسخ السابقة من المواقع والمصادر.
نصائح للصحفيين ومدققي المعلومات
- لا تكتفِ بذكر المصدر، بل حلّله في سياقه: وجود المصدر لا يكفي لإثبات صحة الادعاء. من الضروري فحص السياق الذي ورد فيه المصدر وتحليله بدقة.
- واجه التضليل بالصورة الكاملة: عندما تتعامل مع اقتباس مضلل، لا ترد باقتباس آخر فقط، بل قدّم النسخة الكاملة التي تكشف ما تم اقتطاعه أو تحريفه.
رغم أن التضليل غالباً ما يُفهم ككذب صريح، إلا أن أخطر أشكاله يعتمد على استخدام حقائق صحيحة في غير سياقها. هذه "الحقيقة المبتورة" تمنح التضليل غطاءً من المصداقية وتزيد من قابليته للانتشار والإقناع.
في زمن يعج بالاستقطاب والتسريبات والمحتوى المنحاز، لم يعد السؤال: "هل هذا المصدر حقيقي؟" كافياً. بل الأهم: "هل استُخدم هذا المصدر في سياقه الصحيح؟".
التحقق من السياق وممارسة القراءة الناقدة مسؤولية لا تقع على الصحفيين ومدققي المعلومات وحدهم، بل هي مهارة أساسية لكل جمهور يتعرض لكمّ هائل من المعلومات يومياً. في عالم الإعلام المفتوح، تبقى القدرة على التحليل والتوقف والتفكيك خط الدفاع الأول ضد التضليل.
الصورة الرئيسية مولدة بواسطة ChatGPT.