الاستثمار في قطاع الإعلام الخاص بين المهنية والضرورة الربحية!

بواسطةعبّاس المسدّي
Oct 29, 2015 في الصحافة الرقمية

صحراء قاحلة هو القطاع الإعلاميّ في زمن الديكتاتورية، لون واحد وشكل باهت وجامد... فاجأته الثورة فأهدته الحرية فانهال أهل القطاع يسابقون الزمن يغتنمون الفرصة المجيدة وكأنها إلى زوال، وانطلقت الأقلام وتعددت المنابر وانكسرت القيود واختلفت الألوان والتوجهات، فأضحى في تونس الثورة مشهد إعلامي فسيفسائي ثري ينبئ بولادة عهد جديد في تاريخ الإعلام التونسي.


المشهد الإعلامي التونسي الجديد هو مكسب حقيقي من مكاسب الثورة التونسية إلا أن المناخ والظروف التي انبثق منها هذا المشهد قد ساهمت في العديد من الإخلالات لعل أهمها هيمنة المال السياسي على القطاع خدمةً لمصالح وحسابات فئوية ضيّقة فأضحت وسائل الإعلام واجهات لأحزاب وشخصيات من جهة أو سلاحاً يُستخدم للإنتقام والتشهير من جهة أخرى.
ولأن المؤسسات الإعلامية الخاصة لا يمكن أن توجد إلا بوجود مستثمرين "رؤوس أموال" ولا يمكن أن تستمر إلا إذا حققت أرباحاً إقتصادية، فماهي الضمانات أمام معادلة المهنية من جهة وتحقيق الغاية الربحية المادية من جهة أخرى؟ وماهي آليات العمل الكفيلة بتحقيق هذه المعادلة؟

 إذاعة الديوان: محاولة في اتجاه الالتزام بالمواثيق المهنية وتحقيق الاستقلالية

رسمت إذاعة الديوان الملامح العامة لتوجهاتها التحريرية، فهي باختصار محاولة نحو الوقوف على نفس مسافة القرب من الجميع وتشريك جميع الفئات والتوجهات الفكرية مهما كانت، ملتزمة في ذلك بالمواثيق المهنية وبالمعايير الدولية للعمل الصحفي.
لكن يبقى هذا نظرياً ما لم تكن هناك آليات وضمانات تحول دون التطبيق. ولعل من أهمها تضارب المصالح بين سلطة المال (رؤوس الأموال، المستشهرين، المستثمرين" والموضوعية والشفافية في العمل الصحفي والتقيد بالخط التحريري.


في محاولة لتحقيق المعادلة عملت إذاعة الديوان على واجهتين:

كانت الأولى "قسم التحرير" باعتباره المسؤول عن المنتج الإخباري والخط التحريري للإذاعة. أما الواجهة الثانية فهي رؤوس الأموال المساهمة في بث الإذاعة، في محاولة للبحث عن نقاط التقاطع بين "القطبين" للتفكيك والفهم ومن ثم الخروج بمشروع قانون داخلي يكون بمثابة دستور الإذاعة الذي يحدد صلاحيات الطرفين ويضمن النجاح على المستويين الاقتصادي والمهني.


قسم الاخبار
 

فريق صحفي محترف: عملت إذاعة الديوان على أن يكون كل فريقها الصحفي من خريجي الجامعات الإعلامية ضماناً لإنتاج مادة إخبارية مطابقة لمعايير الكتابة والإلقاء الصحفي أولاً، عارفين بقانون الصحافة ثانياً متقيدين بالمواثيق المهنية ثالثاً.


فريق صحفي مختلف: ضماناً لعدم توجيه الخط التحريري للإذاعة لأي جهة كانت، عملت إذاعة الديوان عند انتداب الفريق الصحفي على اعتماد معيار الاختلاف في التوجهات والميول محاولةً إثراء الفريق بأقصى ما يمكن من الألوان حتى تحقق أعلى درجات التوازن عند انتقاء أو صياغة الخبر.


هيئة تحرير: إيماناً منها بأن الأسلوب التسلطي لرئيس التحرير بانتقاء وفرض المواضيع عند إعداد النشرة قد يضر بخطها التحريري، عملت إذاعة الديوان على اعتماد الأسلوب العصري التشاوري بين الفريق ورئيس التحرير، فتنطلق النشرة والمواجيز من آراء الصحفيين وأفكارهم ثم يتمّ تعديلها بعد ذلك في صلب الهيئة.


صحفيون مرتاحون مادياً ونفسياً: حرصت إذاعة الديوان على أن يكون فريقها الصحفي مرتاحاً على المستويين المادي وذلك من خلال مرتبات تضمن لهم عيشاً كريماً، والنفسي من خلال توفير ظروف عمل مريحة.


الاختلاف: بنفس حرصها على الاختلاف داخل قاعة التحرير حاولت إذاعة الديوان من خلال باعثها على أن تبحث عن مستثمرين مختلفين في توجهاتهم وميولاتهم الفكريّة والسياسية.


لا للهيمنة على رأس المال: الهيمنة على رأس مال الإذاعة قد يحول دون الالتزام بالخط التحريري والأهداف الحقيقية التي أنشئت من أجلها الإذاعة وقد يحولها إلى سلاح لتصفية حسابات أو لتحقيق مصالح شخصية ضيقة.


ربما تكون هذه الاختيارات خطوة هامة نحو تحقيق أقصى درجات الاستقلالية داخل المؤسسة الإعلامية لكنها تبقى غير كافية خاصة وأن القطبين الفاعلين (المستثمرين والإعلاميين) لا يتقاسمان بالضرورة نفس الهدف: فالأول هدفه ربحي بحت أما الثاني فهدفه مهني بالأساس وهو إنارة وإطلاع الرأي العام.
إذا فالتباين في الأهداف المرسومة قد يكون من أكبر العوائق داخل المؤسسة الإعلامية، بالتالي كيف يمكن تحقيقه دون الاضطرار إلى التنازل عن أحدهما.


توحيد الأهداف:
دورات تكوينية للإعلاميين في الجانب التجاري وأخرى للمستثمرين في الجانب الإعلامي قد يكون خطوة هامة نحو توحيد أهداف المؤسسة الإعلامية، ففك العزلة وتقريب المسافة بين الطرفين من شأنه أن يتيح الفرصة أمامهما لفهم طبيعة عمل كل طرف منهما، وهو ما سيساهم في تقاسم نفس الطموح والهدف.
بعث مؤسسة إعلامية جادة ومهنية وناجحة إقتصادياً قد تبدو معادلة صعبة التحقيق... لكنها ليست مستحيلة بالعمل الجاد واختبار فعالية الخطط الموضوعة وتعديلها عند الحاجة.
الصور الرئيسية من تصميم فريق عمل الديوان، أمّا الثانية فتم التقاطها في مكتب المؤسسة.

عبّاس المسدّي، هو أحد المشاركين في برنامج مركز التوجيه بدورته الثانية التابع لشبكة الصحفيين الدوليين بنسختها العربية بهدف تطوير مشروعه الإعلامي من ضمن مشاريع أخرى في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.