إشكاليات المُساءلة في الواقع الإعلامي وكيفية تحقيقها بشكل شفاف

بواسطةأماني شنينو
Feb 4, 2021 في أساسيات الصحافة
صورة

لعلَّ مُساءلة فساد الموظفين العموميين في الدولة، هدف أساسي للصحافة وهي من الأهداف السامية لهذه المهنة، ولكن يحفُّها متاعب ومشاكل لا تُقارن بسواها من مجالات الصحافة، لا سيما مع أزمة وباء كورونا وما يلحقها من ظروف صعبة على جميع الأصعدة مما يجعل الفساد يصل ذروته.

لماذا المساءلة مهمة؟! إضافةً إلى أنّ الفساد يهدر المال العام، ويعدّ انتهاكاً لحقوق المواطنين، يعتبر نشطاء حقوق الإنسان الفساد خرقاً لمبدأ أساسي من المبادئ التي تقوم عليها حقوق الإنسان؛ ألا وهو مبدأ المساواة.

 في مقابلة معه، أكد المحامي والباحث القانوني عبدالله محمود شرشرة، منسق وحدة الحماية القانونية للصحفيين في مؤسسة بيت الصحافة الفلسطيني أنّ "المساءلة حق مكفول للصحفي في الدستور الفلسطيني الأساسي، والصحفي بالأساس يستمد دوره في المساءلة من كونه مواطن بالدرجة الأولى، ولتنجح المساءلة بشكل وافي هناك أربعة أركان مهمة، وهي:

1. مشاركة حقيقية، بمعنى مشاركة المواطن في اتخاذ القرار.

2. الشفافية/ الحق في الحصول للمعلومات ومصادرها، لتكوين فكرة كاملة عن أي موضوع_ كالاطلاع على الموازنة العامة والبنود المالية للنفقات للمشاريع العامة.

3. الرغبة في التغيير/ لا يوجد تغييرات بعد التحقيقات الاستقصائية وقضايا الفساد التي تُطرح، أو لمس أي أثر للتغيير، مثل: التقارير والتحقيقات التي تتناول قضايا القتل على خلفية الشرف، وهذا يجعل الصحفي يشعر بالإحباط من التطرق لهذه القضايا.

4. الرقابة". 

ولكن في ظل واقعنا الفلسطيني والعربي تغدو هذه الأركان مجرد بنود نظرية، بعيدة عن التطبيق.

مدى الالتزام باتفاقية مكافحة الفساد الأممية

 "اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد 2003، كاتفاقية دولية، يُفترض أن تُدخل تحسينات كبيرة على بنية مكافحة الفساد في فلسطين، ومن بينها وجود تغييرات جذرية في القوانين الفلسطينية، وهو ما حصل عندما شُرِّع قانون مكافحة الفساد الفلسطيني، ومن جانب آخر، تغيرات في النظام القضائي الفلسطيني ليصبح مستجيباً لمكافحة الفساد، مثل أن يكون هناك محكمة لجرائم الفساد ونيابة متخصصة. وهذا ما حصل في الآونة الأخيرة، إلا أنه من المهم أن يكون هناك أيضا إرادة سياسية، تضمن تغييرات حقيقية على الأرض"، بحسب الباحث القانوني شرشرة.

تحديات المساءلة الأصعب

يؤكد شرشرة على أنّ "العقوبات القانونية هي عقبة أمام قيام الصحفيين بتنفيذ دورهم في المساءلة، خاصة وأن الترهيب المستخدم ضدهم قد يؤدي إلى خلق أشكال من الرقابة الذاتية التي يضعها الصحفي نصب عينيه، وتعيقه نفسيا عن أداء دوره. ومن أهم هذه الأشكال، سياسة الاستدعاء المستمر والمتكرر للصحفيين، وهذه السياسة تجعل من الحبس الاحتياطي بمثابة عقوبة". 

وذلك كما حدث مع العديد من الصحفيين ممن خاضوا غمار التحقيقات الاستقصائية، على سبيل المثال: ما حدث مع الصحفي الفلسطيني يوسف حسان من اعتقال على خلفية تحقيق حول العمل الخيري في قطاع غزة، واجباره على الاعتذار عنه ببث مباشر على فايسبوك، الأمر الذي جعله يفرّ هارباً من الملاحقات الأمنية إلى تركيا، ويواصل عمله الاستقصائي حول شبهات الفساد المالية والإدارية في القطاع عن بُعد.

ماذا يحتاج الصحفي ليستطيع القيام بواجبه بالمساءلة؟

يُجيب شرشرة: "يجب أن تصبح الاجراءات التي تتخذها أجهزة إنفاذ القانون تتلاءم مع قواعد حقوق الانسان، وبالتالي فإن شعور الصحفي بتحسّن البيئة القانونية يصبح أفضل. وهكذا يتمتع الصحفي بحماية قانونية حقيقية، أما دون أن يكون هناك تعديل في قوانين الصحافة والإعلام، ودون أن يكون هناك تطبيق لمعايير حرية الصحافة في تعامل الأجهزة الرسمية في الدولة؛ فلن يكون هناك تغيير جذري في واقع حقوق الصحفي الفلسطيني".

يُتابع شرشرة مُوضحاً ركاكة الأصول للتشريعات الفلسطينية: "إن نشأة القوانين الفلسطينية والتي جاءت في غالبها لظروف تاريخية معينة، كوجود الانتداب البريطاني في فلسطين منذ عشرات السنوات، والتي لم يتم تغييرها أو حتى تعديلها ليومنا هذا؛ هي أحد أهم الأسباب التي تجعل المسؤولين يستخدمون هذه القوانين للحد من الحريات وبشكل عام ولا سيما الصحافة. والكثير من القوانين الفلسطينية تُعارض المعايير الدولية، وتُعيق قيام الصحفيين بدورهم فيما يتعلق بالصحافة الاستقصائية تحديداً، فعلى سبيل المثال: تسجيل المكالمة، في القانون الفلسطيني الموجود في قطاع غزة يُمنع تسجيل مكالمة بدون إذن الشخص الآخر في كل الظروف ولا يوجد استثناءات، أما مثلاً في القانون الفرنسي فإنه يُتيح ذلك في حالتين منطقيتين عند الكشف عن تهديد ما، أو الكشف عن جرائم الفساد".

من جهةٍ أخرى، وطبقاً لنتائج استطلاع رأي الرأي العام الذي نفذه الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة: أمان حول واقع الفساد ومكافحته في فلسطين للعام 2020، فإن:

  • عمليات الترقية والتعيين في الوظائف العليا تحظى بالمرتبة الأولى كأكثر الخدمات التي فيها فرصا للفساد بين المستطلعين.
  • ثلثا المواطنين يعتقدون بوجود فساد في الجهاز القضائي.
  • 80% من المواطنين: الجهود المبذولة لمكافحة الفساد غير كافية.
  • دور السلطة الرابعة ضعيف أو متوسط الفعالية في الكشف عن قضايا فساد.

بدوره، يقول عبدالقادر الحسيني رئيس مجلس إدارة ائتلاف أمان: "أهم خطوتين على الحكومة القيام بها لتكون بذلك مُلتزمة ببنود اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد والتي انضمت لها فلسطين عام 2014:

  1. اقرار قانون الحق في الحصول على المعلومات، وللأسف هذا القانون غير مُقرّ لدينا لليوم في فلسطين، وهو مهم جداً ليكون مُتاحاً للمواطنين حقهم الطبيعي في الحصول على المعلومات.
  2. حماية المُبلِّغين عن الفساد، تم إقرار إجراء لحماية المُبلغين ولكن ما زال الصحفيون يواجهون تحديات وصعوبات جمّة، وهذه تحتاج لإجراءات أكثر صرامة في التنفيذ، فمثلاً: قانون الجرائم الالكترونية بدلاً من أن يكون لحماية خصوصية المواطن فإنه يستخدم لتكميم الأفواه.

وكذلك قانون المطبوعات والنشر المُقرّ منذ سنة 1995م، وهو بحاجة للتعديل والتطوير ليتماشى والمتغيرات الزمنية الحاصلة، وليُتيح الحق في التعبير وحرية الرأي".

تحديات أخرى تواجه الصحفيين عند إعداد تقارير حول الفساد

وهي كما يذكرها عصام حج حسين القائم بأعمال المدير التنفيذي لائتلاف أمان: "

  • العديد من الصحفيين لديهم لبس حول المفاهيم المتعلقة بالفساد، يخلطون مثلاً ما بين شبهة فساد وبين سوء إدارة المؤسسة.
  • مهارة إعداد تحقيق استقصائي، لما له من شروط وأدوات ومهارات على الصحفي اتقانها ومعرفة قوية في الجانب القانوني أيضاً.
  • إدارة المؤسسات الصحفية التي يعمل فيها البعض هي نفسها غير معنية بإعداد تقارير وتحقيقات استقصائية، لتجنب التصادم مع الجهات الأخرى، وخاصةً ما يتعلق بالقطاع الخاص لوجود مصالح مشركة معهم.
  • توفير الموارد المالية للتحقيقات الاستقصائية.
  • الخوف وعدم وجود حماية للصحفيين". 

مؤشرات مدركات الفساد عربيا ودوليا

بحسب ما تم نشره في مؤشر مدركات الفساد للعام 2020 (CPI)، والذي يقدم تصوراً سنوياً عن الدرجة النسبية للفساد في 180 دولة وإقليم حول العالم، حيث أشارت النتائج أن مؤشر الدول العربية بلغ 34%، وأنه وبرغم الجهود المبذولة، الا أن ثلثي الدول المشمولة حصلت على درجة أقل من 50%، وذلك بسبب ضعف الإرادة السياسية، ووجود إشكاليات في بعض الجوانب التي تتعلق بنزاهة الحكم.

  • أكدت نتائج المؤشر على وجود علاقة عكسية بين درجة تطور الديمقراطية، وانتشار الفساد، حيث لوحظ ازدياد في انتشار الفساد عند الدول التي تتعاظم فيها أزمة الديمقراطية.
  • ما زالت الدول الاسكندنافية مثل الدنمارك ونيوزلندا وفنلندا والسويد في مقدمة الدول على المؤشر، والتي حصلت على علامات (88%، 88%، 85%، 85%) على التوالي، حيث تتمتع هذه الدول بمستويات عالية من الشفافية والمساءلة، وتشترك البلدان التي سجلت المراتب العليا بأنها تمتلك حكومات منفتحة وحرية صحافة، ومجتمع مدني غير مقيد، فضلا عن استقلالية السلطات القضائية فيها. في حين تم إدراج شركاء أمان المانحين، أمثال حكومات هولندا، ولوكسمبرج والنرويج ضمن أفضل عشر دول في المؤشر.
  • وعلى النقيض من ذلك، جاءت كلٌ من الصومال، جنوب السودان، سوريا واليمن في أسفل المؤشر كأكثر الدول فسادًا بحصولها على رصيد علامات متدنِ جدا (12%، %12، %14، 15%) على التوالي. تشترك تلك الدول بأنها مضطربة وخاضت صراعات أهلية وحروبا وعدم استقرار ما أدى الى تراجعها في المؤشر.
  • تصدرت الامارات العربية المتحدة المرتبة العليا برصيد 71%، تلتها قطر برصيد 63%، ومن ثم عُمان بحوزها على نسبة 54%، وأخيرا السعودية برصيد 53%.
  • خرج المؤشر بعدة توصيات:

أهمها: تعزيز قوة المؤسسات الرقابية، إذ كشفت الاستجابة لجائحة كوفيد-19 عن نقاط خلل في الرقابة الضعيفة والشفافية غير الكافية، ما يتوجب على الدول امتلاك سلطات مكافحة الفساد ومؤسسات الرقابة على الأموال، والموارد، والاستقلالية الكافية لأداء واجباتها، وذلك لضمان وصول الموارد إلى من هم في أمس الحاجة إليها وعدم تعرضها للسرقة من قبل الفاسدين. إضافة الى ضمان وجود إجراءات تعاقدية مفتوحة وشفافة، خاصة في مجال المشتريات العامة. كما أوصى المؤشر أيضا بالدفاع عن الديمقراطية وتعزيز الفضاء المدني، إذ يتوجب أن تتوفر لمجموعات المجتمع المدني ووسائل الإعلام الظروف المواتية لمحاسبة الحكومات، وأخيراً ضمان وصول المعلومات ونشر البيانات المفصلة عن الإنفاق وتوزيع الموارد له أهمية خاصة في حالات الطوارئ، ولضمان الاستجابات العادلة والمنصفة، التزماً بمبادئ الشفافية. بحسب ما جاء في تقرير لأمان حول مؤشر مدركات الفساد 2020.

ووفقاً لما أطلقته هيئة مكافحة الفساد الفلسطينية في تقريرها حول مؤشرات الفساد، والذي صدر بلغتين العربية والإنجليزية، فإنه في عام 2020م تم رصد 1191 شكوى وبلاغ عن الفساد، وكانت إحصائية إساءة استخدام السلطة هي الأعلى من حيث نوع الجريمة.

"ألف" بالعربية منصة بيانات لتتبع أموال الفساد

مؤخراً أعلن "مشروع الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد" (OCCRP) بالشراكة مع شبكة "اعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية" (أريج)، عن إطلاق أرشيف ألف أريج. حيث يحتوي هذا الأرشيف الجديد على وثائق وبيانات من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، قامت بجمعها أريج على مدى أكثر من عشر سنوات، وهي مجموعة فريدة من المواد التي تساعد الصحفيين الاستقصائيين على متابعة تقصي الأموال.

وتسمح المنصة للصحفيين بالبحث والرجوع إلى أكثر من مليار سجل ومطابقتها لتتبع الروابط والأنماط ويعزز التعاون الاستقصائي العابر للحدود. يتضمن الأرشيف الجديد السجلات والبيانات الحكومية حول ملكية الشركة والانفاق العام من: الأردن ومصر ولبنان والبحرين والجزائر والمغرب وسوريا والعراق وليبيا واليمن وقطر وتونس والكويت والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وفلسطين.

الصورة الرئيسية حاصلة على رخصة الإستخدام على أنسبلاش بواسطة كاميلو جمناز