تصويب مسار الصحافة نحو قضايا المقهورين.. تعرّفوا إلى صحافة السلام

بواسطةمحمد مكاويMay 26, 2021 في موضوعات متخصصة
صورة

النزاع والصراع والحروب هي من المواد الإعلامية التي تُعتبر دسمة لمعظم وسائل الإعلام، حتى تلك التي ترفع الحياد شعاراً لها. وهي على الرغم من اعتبار نفسها ناقلة للخبر فقط إلا أن ثمة خيطًا رفيعًا بين إذكاء الصراع أو تأجيج الصراع وإشعال الفتن والحروب وبين التعاطي بحذر شديد مع تلك المواضيع. وقد يتسبب خبر واحد في مقتل المئات والآلاف.. عن غير قصد. وأمام هذا الواقع نشأ عنوان جديد لكن خجول في كثير من الأحيان تحت مسمىّ "صحافة السلام".

لا تختلف صحافة السلام في مضمون رسالتها عن الصحافة التقليدية؛ إنما يُمكن تسميتها بالصحافة الحساسة للنزاع. وفي العمق هي تدريب الصحفيين الميدانيين خصوصاً على كيفية تغطية الأخبار في مناطق النزاع. وتحت هذا العنوان أيضاُ نشأت العديد من الجمعيات المدنية والمؤسسات التدريبية التي تُعنى بهذا الاختصاص.

منظمة "إعلام للسلام" هي جمعية لبنانية نشأت في العام ٢٠١٣، تُعنى بنشر صحافة السلام وتدريب الصحفيين على هذا النهج. وتعرف مؤسسة الجمعية الصحفية فانيسا باسيل خلال مقابلة عبر الهاتف مع شبكة الصحفيين الدوليين، صحافة السلام بأنها "صحافة تركز على سؤالين أساسيين من الأسس الصحفية هما: كيف ولماذا؟ وهذا يعني أنه عندما يعي الصحفي أي أخبار يجب أن يغطيها وكيف، يخلق عندها فرصة للاستجابة بطريقة لا عنفية للنزاعات" وتضيف أن "هذا الأمر مرتبط بأخلاقيات العمل الصحافي بالدرجة الأولى".

تستخدم صحافة السلام أدوات متعلقة بتحليل وتحويل النزاع، وهذا الفرق بينها وبين الصحافة التقليدية وتشير باسيل إلى أن "صحافة السلام تستفيد من الأدوات التي يقدمها علم النزاع" وهو ميدان عمل اجتماعي قائم بذاته؛ والذي جرى هنا أن "مناصري صحافة السلام استفادوا من هذه الأدوات" وطوروا هذا النهج "ليستفيد المجتمع من ثقافة اللاعنف".

صحافة السلام قريبة جداً من الناس لأنها "تقدّم هموم الناس العاديين على أخبار النخبة والسياسيين الذين يتمتعون بمقدرات اقتصادية واجتماعية كبيرة". إنها صحافة الشعب وتعكس معاناة كل من يريد أن يعرض قضيته على الرأي العام من خلال الإعلام. ويمكن اعتبار صحافة السلام أنها صحافة "حساسة للنزاع أن أنها تعرف كيف تقوم بتغطية الأخبار المتعلقة به، وكيف تنقل الخبر من دون تأجيج الصراع. إنها تمتص الحدة والتشنجات وتحاول إيجاد أرضية مشتركة وتقريب وجهات النظر من بعضها البعض" تردف باسيل. وتقوم صحافة السلام بالخطوة الإضافية لإيجاد الحل، لأنها "صحافة موجهة نحو الحلول" حسب تعبير فانيسا.

ما هي أسس صحافة السلام وعلامَ ترتكز إذاً؟

تُبنى صحافة السلام على أربع مرتكزات أساسية وهي:

  • تغطية النزاع بطريقة لا عنفية على عكس الصحافة التقليدية التي جل همها تحقيق سبق صحفي.
  • هدفها الوصول إلى الحقيقة، بعكس صحافة الحرب التي تنقل أخباراً ملفقة ومفبركة وتمارس البروباغاندا أحياناً.
  • صحافة السلام هي موجهة للشعب، فتنقل صوت المرأة، صوت اللاجئ والأشخاص المعوقين والأقليات، وجميع المهمشين من قبل الصحافة التقليدية.
  • إنها صحافة موجهة نحو الحلول، لا تنقل أخبار النزاع وكأن الأطراف المشاركة هم في لعبة ما. تعمل على حل النزاع، من دون إعطاء الرأي عبر استضافة الأشخاص القريبين من المشكلة لتقديم الحلول.

وبحسب باسيل، تركز صحافة السلام على نقطة أساسية جداً وهي أنّ "العنف ليس ما نراه فحسب، وهناك عنف غير مباشر كالعنف البنيوي، العنف القانوني" غيرها، وهي تركز على هذه الأمور". إنها مقاربة جديدة للصحافة وليس فقط نوع من أنواع الصحافة. وهي "خارطة الطريق للصحفيين لتغطية النزاعات بطريقة لا عنفية، من تغطية الأخبار، تقريب وجهات النظر والاستخدام السليم للمصادر".

تحديات كبيرة تواجه صحافة السلام

إن صحافة السلام هي اختصاص قائم بحد ذاته؛ وهناك "باحثون ومتخصصون في هذا المجال، إضافة إلى الكثير من المراجع الأكاديمية". وبحسب باسيل، التحديات التي تواجه انتشار هذا النهج متعددة وقد تكون "سياسية، مالية، تمويلية، اجتماعية وثقافية" فالصحفيون هم "انعكاس للمجتمع" ولكن عليهم أن يكونوا هم المثال الأفضل. وبرأي باسيل، إن نماذج الصحافيين اليوم ليسوا "المثال الأفضل" ولهذا يجب أن يكون هناك تبني للقيم "التي تقدمها صحافة السلام" وهذا يجب أن يتم على مستوى الإدارات والخطوط التحريرية؛ على الصحافة توعية الناس وليس القيام بنقل الاخبار فقط، ولها دور "توعوي وتربوي وتثقيفي" وهذا من أدنى واجبات الصحافة، وهذه التحديات البنيوية هي التحدي الأساس.

حاولت فانيسا تجسير الهوة الموجودة بين الصحافة التقليدية والصحافة الإنسانية في بلد غني بالصراعات كلبنان؛ وعلى هذا النهج حدت مؤسسات ليست كثيرة منها جامعة اللاعنف "أونور" الموجودة في بيروت والتي تقدم برنامج الماجيستر في الإعلام اللا عنفي، وكجمعية "المشغل" التي رفعت من شعار تفكيك العنف راية لها في التصدي لمشهد العنف في لبنان.

إن الصحافة بوصفها سلطة رابعة مطالبة بالعودة إلى المنحى الأساس أو الخط الإنساني لكل الأخبار؛ وإذا كان المعلّم باولو فرايري كتب "تعليم المقهورين" كرسالة في وجه العالم للتشديد على أهمية تعليم الإنسان فلا بد للصحافة من تغطية "أخبار المقهورين" توخياً للتوازن أو بعضاً منهُ في هذا الواقع البائس.

الصورة الرئيسية بعدسة محمد مكاوي خلال تظاهرة لمجموعات مناهضة للحرب الأهلية وداعية للسلام